ابن أبي الحديد
43
شرح نهج البلاغة
تركت خراسان ! فقال : ما تهنأت بالعيش إلا هاهنا ، أفر بديني من شاهق إلى شاهق ، فمن رآني قال : موسوس أو حمال . : وقيل للحسن : يا أبا سعيد ، هاهنا رجل لم نره قط جالسا إلا وحده خلف سارية ، فقال الحسن : إذا رأيتموه فأخبروني ، فنظروا إليه ذات يوم ، فقالوا للحسن ، وأشاروا إليه ، فمضى نحوه ، وقال له : يا عبد الله ، لقد حببت إليك العزلة ، فما يمنعك من مجالسة الناس ؟ قال : أمر شغلني عنهم ، قال : فما يمنعك أن تأتى هذا الرجل الذي يقال له الحسن : فتجلس إليه ؟ قال : أمر شغلني عن الناس وعن الحسن ، قال : وما ذلك الشغل يرحمك الله ؟ قال : إني أمسى وأصبح بين نعمة وذنب : فأشغل نفسي بشكر الله على نعمة ، والاستغفار من الذنب ، فقال الحسن : أنت أفقه عندي يا عبد الله من الحسن ، فالزم ما أنت عليه . وجاء هرم بن حيان إلى أويس ، فقال له : ما حاجتك ؟ قال : جئت لآنس بك ، قال : ما كنت أعرف أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره ! . وقال الفضيل : إذا رأيت الليل مقبلا فرحت به ، وقلت : أخلو بربي ، وإذا رأيت الصبح أدركني ، استرجعت كراهية لقاء الناس ، وأن يجئ إلى من يشغلني عن ربى . وقال مالك بن دينار : من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين ، فقد قل علمه ، وعمى قلبه ، وضاع عمره . وقال بعض الصالحين : بينا أنا أسير في بعض بلاد الشام ، إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال ، فلما نظر إلي تنحى إلى أصل شجرة ، وتستر بها : فقلت : سبحان الله ! أتبخل علي بالنظر إليك ؟ فقال : يا هذا ، إني أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا ، أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها ، فطال في ذلك تعبي ، وفنى عمري ، ثم سألت الله تعالى