ابن أبي الحديد
40
شرح نهج البلاغة
واحتج من رجح العزلة وآثرها على المخالطة بالآثار الكثيرة الواردة في ذلك نحو قول عمر : خذوا بحظكم من العزلة . وقول ابن سيرين : العزلة عبادة . وقول الفضيل : كفى بالله محبوبا ، وبالقرآن مؤنسا ، وبالموت واعظا ! اتخذ الله صاحبا ، ودع الناس جانبا . وقال ابن الربيع الزاهد لداود الطائي : عظني ، فقال : صم عن الدنيا ، واجعل فطرك للآخرة ، وفر من الناس فرارك من الأسد . وقال الحسن : كلمات أحفظهن من التوراة : قنع ابن آدم فاستغنى ، واعتزل الناس فسلم ، ترك الشهوات فصار حرا ، ترك الحسد فظهرت مروءته ، صبر قليلا فتمتع طويلا . وقال وهيب بن الورد : بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء ، تسعة منها الصمت ، والعاشر في العزلة عن الناس . وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار : ما أصبرك على الوحدة ! وكان قد لزم البيت - فقال : كنت وأنا شاب أصبر على أشد من هذا ، كنت أجالس الناس ولا أكلمهم . وقال الثوري : هذا وقت السكوت وملازمة البيوت . وقال بعضهم : كنت في سفينة . ومعنا شاب علوي ، فمكث معنا سبعا لا نسمع له كلاما ، فقلنا له : قد جمعنا الله وإياك منذ سبع ، ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا ! فأنشد : قليل الهم لا ولد يموت * وليس بخائف أمرا يفوت قضى وطر الصبا وأفاد علما * فغايته التفرد والسكوت