ابن أبي الحديد
117
شرح نهج البلاغة
لان النطق حركة الأداة بالكلام ، والكلام يستحيل أن يكون ذا أداة ينطق بالكلام بها ، وهو من حيث يتضمن الاخبار والامر والنهى والنداء وغير ذلك من أقسام الكلام ، كالناطق ، لان الفهم يقع عنده ، وهذا من باب المجاز كما تقول : هذه الربوع الناطقة ، وأخبرتني الديار بعد رحيلهم بكذا . ثم وصفه بأنه حجة الله على خلقه ، لأنه المعجزة الأصلية . أخذ سبحانه على الخلائق ميثاقه ، وارتهن عليه أنفسهم ، لما كان سبحانه قد قرر في عقول المكلفين أدلة التوحيد والعدل ، ومن جملة مسائل العدل النبوة ، ويثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله عقلا ، كان سبحانه بذلك كالآخذ ميثاق المكلفين بتصديق دعوته ، وقبول القرآن الذي جاء ، وجعل به نفسهم رهنا على الوفاء بذلك ، فمن خالف خسر نفسه ، وهلك هلاك الأبد . هذا تفسير المحققين ، ومن الناس من يقول : المراد بذلك قصة الذرية قبل خلق آدم عليه السلام ، كما ورد في الاخبار ، وكما فسر قوم عليه الآية . ثم ذكر عليه السلام أن الله تعالى قبض رسوله صلى الله عليه وآله ، وقد فرغ إلى الخلق بالقرآن من الاكمال والاتمام ، كقوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) ( 1 ) ، وإذا كان قد أكمله لم يبق فيه نقص ينتظر إتمامه . قال : فعظموا من الله ما عظم من نفسه ، لأنه سبحانه وصف نفسه بالعظمة والجلال في أكثر القرآن ، فالواجب علينا أن نعظمه على حسب ما عظم نفسه سبحانه . ثم علل وجوب تعظيمه ، وحسن أمره لنا بتعظيمه سبحانه بكونه لم يخف عنا شيئا من أمر ديننا ، وذلك لان الشرعيات مصالح المكلفين ، وإذا فعل الحكيم سبحانه بنا
--> ( 1 ) سورة المائدة 3 .