ابن أبي الحديد

118

شرح نهج البلاغة

ما فيه صلاحنا ، فقد أحسن إلينا ، ومن جملة صلاحنا تعريفنا من الشرعيات ما فعله لطف ومفض بنا إلى الثواب ، وهذا أبلغ ما يكون من الاحسان ، والمحسن يجب تعظيمه وشكره . قال : لم يترك شيئا إلا وجعل له نصا ظاهرا يدل عليه ، أو علما يستدل به عليه ، أي إما منصوص عليه صريحا ، أو يمكن أن يستنبط حكمه من القرآن ، إما بذكره أو بتركه ، فيبقى على البراءة الأصلية ، وحكم العقل . قوله : ( فرضاه فيما بقي واحد ) معناه أن ما لم ينص عليه صريحا ، بل هو في محل النظر ، ليس يجوز للعلماء أن يجتهدوا فيه ، فيحله بعضهم ، ويحرمه بعضهم ، بل رضا الله سبحانه أمر واحد ، وكذلك سخطه ، فليس يجوز أن يكون شئ من الأشياء يفتى فيه قوم بالحل وقوم بالحرمة ، وهذا قول منه عليه السلام بتحريم الاجتهاد ، وقد سبق منه عليه السلام مثل هذا الكلام مرارا . قوله : ( واعلموا أنه ليس يرضى عنكم . . . ) ، الكلام إلى منتهاه ، معناه أنه ليس يرضى عنكم بالاختلاف في الفتاوى والاحكام ، كما اختلف الأمم من قبلكم ، فسخط اختلافهم قال سبحانه : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ ) ( 1 ) . وكذلك ليس يسخط عليكم بالاتفاق والاجتماع الذي رضيه ممن كان قبلكم من القرون . ويجوز أن يفسر هذا الكلام بأنه لا يرضى عنكم بما سخطه على الذين من قبلكم من الاعتقادات الفاسدة في التوحيد والعدل ، ولا يسخط عليكم بما تعتقدونه من الاعتقادات الصحيحة التي رضيها ممن كان قبلكم في التوحيد والعدل ، فيكون الكلام مصروفا إلى الأصول لا إلى الفروع .

--> ( 1 ) سورة الأنعام 159 .