ابن أبي الحديد

73

شرح نهج البلاغة

ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال : " فيم " فقد ضمنه ، ومن قال : " علام " فقد أخلى منه . * * * الشرح : إنما قال عليه السلام : " أول الدين معرفته " ، لان التقليد باطل ، وأول الواجبات الدينية المعرفة . ويمكن أن يقول قائل : ألستم تقولون في علم الكلام : أول الواجبات النظر في طريق معرفة الله تعالى ، وتارة تقولون : القصد إلى النظر ؟ فهل يمكن الجمع بين هذا وبين كلامه عليه السلام ! . وجوابه أن النظر والقصد إلى النظر إنما وجبا بالعرض لا بالذات ، لأنهما وصلة إلى المعرفة ، والمعرفة هي المقصود بالوجوب وأمير المؤمنين عليه السلام أراد أول واجب مقصود بذاته من الدين معرفة البارئ سبحانه ، فلا تناقض بين كلامه وبين آراء المتكلمين . وأما قوله : " وكمال معرفته التصديق به " ، فلان معرفته قد تكون ناقصة ، وقد تكون غير ناقصة ، فالمعرفة الناقصة هي المعرفة بأن للعالم صانعا غير العالم ، وذلك باعتبار أن الممكن لا بد له من مؤثر ، فمن علم هذا فقط علم الله تعالى ، ولكن علما ناقصا ، وأما المعرفة التي ليست ناقصة ، فإن تعلم أن ذلك المؤثر خارج عن سلسلة الممكنات ، والخارج عن كل الممكنات ليس بممكن ، وما ليس ممكن فهو واجب الوجود ، فمن علم أن للعالم مؤثرا واجب الوجود فقد عرفه عرفانا أكمل من عرفان أن للعالم مؤثرا فقط ، وهذا الأمر الزائد هو المكنى عنه بالتصديق به ، لان أخص ما يمتاز به البارئ عن مخلوقاته هو وجوب الوجود .