ابن أبي الحديد
74
شرح نهج البلاغة
وأما ( 1 ) قوله عليه السلام : " وكمال التصديق به توحيده " ، فلان من علم أنه تعالى واجب الوجود مصدق بالبارئ سبحانه ، لكن ذلك التصديق قد يكون ناقصا ، وقد يكون غير ناقص ، فالتصديق الناقص أن يقتصر على أن يعلم أنه واجب الوجود فقط ، والتصديق الذي هو أكمل من ذلك وأتم هو العلم بتوحيده سبحانه ، باعتبار أن وجوب الوجود لا يمكن أن يكون لذاتين ، لان فرض واجبي الوجود يفضي إلى عموم وجوب الوجود لهما ، وامتياز كل واحد منهما بأمر غير الوجوب المشترك ، وذلك يفضي إلى تركيبهما وإخراجهما عن كونهما واجبي الوجود ، فمن علم البارئ سبحانه واحدا ، أي لا واجب الوجود إلا هو ، يكون أكمل تصديقا ممن لم يعلم ذلك ، وإنما اقتصر على أن صانع العالم واجب الوجود فقط . وأما قوله : " وكمال توحيده الاخلاص له " ، فالمراد بالاخلاص له هاهنا هو نفي الجسمية والعرضية ولوازمهما عنه ، لان الجسم مركب ، وكل مركب ممكن ، وواجب الوجود ليس بممكن . وأيضا فكل عرض مفتقر ، وواجب الوجود غير مفتقر ، فواجب الوجود ليس بعرض . وأيضا فكل جرم محدث ، وواجب الوجود ليس بمحدث ، فواجب ( 2 ) الوجود ليس بجرم . وأيضا فكل حاصل في الجهة ، إما جرم أو عرض ، وواجب الوجود ليس بجرم ولا عرض ، فلا يكون حاصلا في جهة ، فمن عرف وحدانية البارئ ولم يعرف هذه الأمور كان توحيده ناقصا ، ومن عرف هذه الأمور بعد العلم بوحدانيته تعالى فهو المخلص في عرفانه جل اسمه ، ومعرفته تكون أتم وأكمل . وأما قوله : " وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه " ، فهو تصريح بالتوحيد الذي تذهب إليه المعتزلة ، وهو نفي المعاني القديمة ( 3 ) التي تثبتها الأشعرية وغيرهم ، قال عليه السلام :
--> ( 1 ) ب : " فأما " . ( 2 ) ب : " وواجب " . ( 3 ) إ : " التقدمية " .