ابن أبي الحديد

69

شرح نهج البلاغة

بنفي النيل دون نفي الادراك ، وأكثر ما في حكاية مذهبهم أنهم يزعمون أن إلهي العالم : النور والظلمة ، وهما جسمان ، وأمير المؤمنين عليه السلام يقول : لو كان صانع العالم جسما لرئي ، وحيث لم ير لم يكن جسما ، أي شئ في هذا مما يدل على وجوب ذلك التقسيم والتخصيص الذي زعمت أنه إنما خصصه وقسمه لغرض صحيح ! . ثم ( 1 ) قال الراوندي : ويجوز أن يقال : البعد والغوص مصدران هاهنا بمعنى الفاعل ، كقولهم : فلان عدل ، أي عادل وقوله تعالى : " إن أصبح ماؤكم غورا " ( 2 ) ، أي غائرا ، فيكون المعنى : لا يدركه العالم البعيد الهمم فكيف الجاهل ! ويكون المقصد بذلك الرد على من قال : أن محمدا صلى الله عليه وآله رأى ربه ليلة الاسراء ، وأن يونس عليه السلام رأى ربه ليلة هبوطه إلى قعر البحر . * * * ولقائل أن يقول : إن المصدر الذي جاء بمعنى الفاعل ألفاظ معدودة ، لا يجوز القياس عليها ، ولو جاز لما كان المصدر هاهنا بمعنى الفاعل ، لأنه مصدر مضاف ، والمصدر المضاف لا يكون بمعنى الفاعل . ولو جاز أن يكون المصدر المضاف بمعنى الفاعل لم يجز أن يحمل كلامه عليه السلام على الرد على من أثبت إن البارئ سبحانه مرئي ، لأنه ليس في الكلام نفي الرؤية أصلا ، وإنما غرض الكلام نفي معقوليته سبحانه ، وإن الأفكار والانظار لا تحيط بكنهه ، ولا تتعقل خصوصية ذاته ، جلت عظمته . * * * ثم قال الراوندي : فأما قوله : " الذي ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود " ، فالوقت : تحرك الفلك ودورانه على وجه ، والأجل :

--> ( 1 ) كلمة " ثم " ساقطة من أ . ( 2 ) سورة الملك 30 .