ابن أبي الحديد

70

شرح نهج البلاغة

مدة الشئ ، ومعنى الكلام أن شكري لله تعالى متجدد عند تجدد كل ساعة ، ولهذا أبدل هذه الجملة من الجملة التي قبلها وهي الثانية ، كما أبدل الثانية من الأولى . * * * ولقائل أن يقول : الوقت عند أهل النظر مقدار حركة الفلك ، لا نفس حركته ، والأجل ليس مطلق الوقت ، ألا تراهم يقولون : جئتك وقت العصر ، ولا يقولون ، أجل العصر ! والأجل عندهم هو الوقت الذي يعلم الله تعالى أن حياة الحيوان تبطل فيه ، مأخوذ من أجل الدين ، وهو الوقت الذي يحل قضاؤه فيه . فأما قوله : ومعنى الكلام أن شكري متجدد لله تعالى في كل وقت ، ففاسد ، ولا ذكر في هذه الألفاظ للشكر ، ولا أعلم من أين خطر هذا للراوندي ! وظنه أن هذه الجمل من باب البدل غلط ، لأنها صفات ، كل واحدة منها صفة بعد أخرى ، كما تقول : مررت بزيد العالم ، الظريف ، الشاعر . * * * قال الراوندي : فأما قوله : " الذي ليس لصفته حد " فظاهره إثبات الصفة له سبحانه ، وأصحابنا لا يثبتون لله سبحانه صفة ، كما يثبتها الأشعرية ، لكنهم يجعلونه على حال ، ويجعلونه متميزا بذاته ، فأمير المؤمنين عليه السلام بظاهر كلامه - وإن أثبت له صفة - إلا أن من له أنس بكلام العرب يعلم أنه ليس بإثبات على الحقيقة . وقد سألني سائل فقال : هاهنا كلمتان ، أحداهما كفر ، والأخرى ليست بكفر ، وهما : لله تعالى شريك غير بصير . ليس شريك الله تعالى بصيرا ، فأيهما كلمه الكفر ؟ فقلت له : القضية الثانية ، وهي " ليس شريك الله تعالى بصيرا " كفر ، لأنها تتضمن إثبات الشريك ، وأما الكلمة الأخرى ، فيكون معناها لله شريك غير بصير ؟ بهمزة الاستفهام المقدرة المحذوفة .