ابن أبي الحديد

66

شرح نهج البلاغة

وجوه فروع نعمائه . وكذلك في كون الآية واردة بلفظة " إن " الشرطية وكلام أمير المؤمنين عليه السلام على صيغة الخبر ، تحته لطيفة عجيبة ، لأنه سبحانه يريد أنكم إن أردتم أن تعدوا نعمة لم تقدروا على حصرها ، وعلي عليه السلام أخبر أنه قد أنعم النظر ، فعلم أن أحدا لا يمكنه حصر نعمه تعالى . * * * ولقائل أن يقول : الصحيح أن المفهوم من قوله : " وإن تعدوا نعمة الله " الجنس ، كما يقول القائل : أنا لا أجحد إحسانك إلي ، وامتنانك علي ، ولا يقصد بذلك إحسانا واحدا ، بل جنس الاحسان . وما ذكره من الفرق بين كلام البارئ وكلام أمير المؤمنين عليه السلام غير بين ، فإنه لو قال تعالى : وإن تعدوا نعم الله ، وقال عليه السلام : ولا يحصي نعمته العادون ، لكان كل واحد منهما سادا مسد الآخر . أما اللطيفة الثانية فغير ظاهرة أيضا ولا مليحة ، لأنه لو انعكس الامر ، فكان القرآن بصيغة الخبر ، وكلام علي عليه السلام بصيغة الشرط ، لكان مناسبا أيضا ، حسب مناسبته ، والحال بعكس ذلك ، اللهم إلا أن تكون قرينة السجعة من كلام علي عليه السلام تنبو عن لفظة الشرط ، وإلا فمتى حذفت القرينة السجعية عن وهمك لم تجد فرقا ، ونحن نعوذ بالله من التعسف والتعجرف الداعي إلى ارتكاب هذه الدعاوى المنكرة . * * * ثم قال الراوندي : إنه لو قال أمير المؤمنين عليه السلام : " الذي لا يعد نعمه الحاسبون " لم تحصل المبالغة التي أرادها بعبارته ، لان اشتقاق الحساب من الحسبان ، وهو الظن . قال : وأما اشتقاق العدد فمن العد ، وهو الماء الذي له مادة ، والإحصاء : الإطاقة ، أحصيته ، أي أطقته ، فتقدير الكلام : لا يطيق عد نعمائه العادون ، ومعنى ذلك