ابن أبي الحديد

67

شرح نهج البلاغة

أن مدائحه تعالى لا يشرف على ذكرها الأنبياء والمرسلون ، لأنها أكثر من أن تعدها الملائكة المقربون ، والكرام الكاتبون . * * * ولقائل أن يقول : أما الحساب فليس مشتقا من الحسبان بمعنى الظن ، كما توهمه ، بل هو أصل برأسه ، ألا ترى أن أحدهما حسبت أحسب ، والآخر حسبت أحسب ، وأحسب بالفتح والضم ، وهو من الألفاظ الأربعة التي جاءت شاذة ، وأيضا فإن " حسبت " بمعنى ظننت يتعدى إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما ، و " حسبت " من العدد يتعدى إلى مفعول واحد . ثم يقال له : وهب أن " الحاسبين " لو قالها مشتقة من الظن لم تحصل المبالغة ، بل المبالغة كادت تكون أكثر ، لان النعم التي لا يحصرها الظان بظنونه أكثر من النعم التي لا يعدها العالم بعلومه . وأما قوله : العدد مشتق من العد ، وهو الماء الذي له مادة ، فليس كذلك ، بل هما أصلان . وأيضا لو كان أحدهما مشتقا من الآخر ، لوجب أن يكون العد مشتقا من العدد ، لان المصادر هي الأصول التي يقع الاشتقاق منها سواء ، أكان المشتق فعلا أو اسما ( 1 ) ، ألا تراهم قالوا في كتب الاشتقاق : إن الضرب : الرجل الخفيف ، مشتق من الضرب ، أي السير في الأرض للابتغاء ، قال الله تعالى : " لا يستطيعون ضربا في الأرض " ( 2 ) ، فجعل الاسم منقولا ومشتقا من المصدر . وأما الإحصاء فهو الحصر والعد وليس هو الإطاقة كما ذكر ، لا يقال : أحصيت الحجر ، أي أطقت حمله . وأما ما قال : إنه معنى الكلمة فطريف ، لأنه عليه السلام لم يذكر الأنبياء ولا الملائكة

--> ( 1 ) كذا عطف بأو بعد الهمزة التسوية ، قال ابن هشام : وقد أولع الفقهاء وغيرهم بأن يقولوا : سواء أكان كذا أو كذا ، والصواب العطف بأم . المعنى 1 : 39 . ( 2 ) سورة البقرة 273 .