ابن أبي الحديد
53
شرح نهج البلاغة
في البطحاء على الصاع والمد . وأراد علي عليه السلام أن يحجر على عبد الله بن جعفر لتبذيره المال ، فاحتال لنفسه ، فشارك الزبير في أمواله وتجاراته ، فقال عليه السلام : أما إنه قد لاذ بملاذ ، ولم يحجر عليه . وكان طلحة شجاعا وكان شحيحا ، أمسك عن الانفاق حتى خلف من الأموال ما لا يأتي عليه الحصر . وكان عبد الملك شجاعا وكان شحيحا ، يضرب به المثل في الشح ، وسمي رشح الحجر ، لبخله . وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في الشجاعة والسخاء ، كيف هي وهذا من أعاجيبه أيضا عليه السلام ! * * * قال الرضى رحمه الله : وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد ، والمعنى المكرر ، والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا ، فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ، ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول ، أما بزيادة مختارة ، أو بلفظ أحسن عبارة ، فتقتضي الحال أن يعاد استظهارا للاختيار ، وغيرة على عقائل الكلام . وربما بعد العهد أيضا بما اختير أولا ، فأعيد بعضه سهوا ونسيانا ، لا قصدا أو اعتمادا . ولا أدعي مع ذلك أنني أحيط بأقطار جميع كلامه عليه السلام ، حتى لا يشذ عني منه شاذ ، ولا يند ناد بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إلي ، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي ، وما علي إلا بذل الجهد ، وبلاغة الوسع ، وعلى الله سبحانه نهج السبيل ، وإرشاد الدليل . ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب ب " نهج البلاغة " ، إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها ، ويقرب عليه طلابها ، وفيه حاجة العالم والمتعلم ، وبغية البليغ والزاهد ، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شبه الخلق ، ما هو بلال كل غلة ، وشفاء كل علة ، وجلاء كل شبهة . ومن الله أستمد التوفيق والعصمة ، وأتنجز التسديد والمعونة ، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ