ابن أبي الحديد

52

شرح نهج البلاغة

والزمان الذي قبله ، لم تغيره الامرة ، ولا أحالت خلقه الرياسة ، وكيف تحيل الرياسة خلقه وما زال رئيسا ! وكيف تغير الامرة سجيته وما برح أميرا لم ! يستفد بالخلافة شرفا ، ولا أكتسب بها زينة ، بل هو كما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في تاريخه المعروف " بالمنتظم " تذاكروا عند أحمد خلافة أبي بكر وعلي وقالوا فأكثروا ، فرفع رأسه إليهم ، وقال : قد أكثرتم ! إن عليا لم تزنه الخلافة ، ولكنه زانها . وهذا الكلام دال بفحواه ومفهومه على أن غيره ازدان بالخلافة وتممت نقيصته ، وأن عليا عليه السلام لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتمم بالخلافة ، وكانت الخلافة ذات نقص في نفسها ، فتم نقصها بولايته إياها . ومنها أن الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح ، بعيدي العفو لان أكبادهم واغرة ، وقلوبهم ملتهبة ، والقوة الغضبية عندهم شديدة ، وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح ، ومغالبة هوى النفس ، وقد رأيت فعله يوم الجمل ، ولقد أحسن مهيار في قوله ( 1 ) : حتى إذا دارت رحى بغيهم * عليهم وسبق السيف العذل عاذوا بعفو ماجد معود * للعفو حمال لهم على العلل فنجت البقيا عليهم من نجا * وأكل الحديد منهم من أكل أطت بهم أرحامهم فلم يطع * ثائرة الغيظ ولم يشف الغلل ومنها أنا ما رأينا شجاعا جوادا قط ، كان عبد الله بن الزبير شجاعا وكان أبخل الناس ، وكان الزبير أبوه شجاعا وكان شحيحا ، قال له عمر : لو وليتها لظلت تلاطم الناس

--> ( 1 ) من قصيدة في ديوانه 3 : 109 - 116 يذكر فيها مناقب الإمام علي وما منى به من أعدائه .