ابن أبي الحديد

49

شرح نهج البلاغة

هذا الذي ذكره الراوندي خلاف نص أهل اللغة ، قالوا : أجمعت الامر ، وعلى الامر كله جائز ، نص صاحب " الصحاح " على ذلك . والمحاسن : جمع حسن ، على غير قياس ، كما قالوا : الملامح والمذاكر ( 2 ) ، ومثله المقابح . والحوار ، بكسر الحاء : مصدر حاورته ، أي خاطبته . والأنحاء : الوجوه والمقاصد . وأشدها ملامحة لغرضه ، أي أشدها إبصارا له ونظرا إليه ، من لمحت الشئ وهذه استعارة ، يقال : هذا الكلام يلمح الكلام الفلاني ، أي يشابهه ، كأن ذلك الكلام يلمح ويبصر من هذا الكلام . * * * قال الرضي رحمه الله : " ومن عجائبه عليه السلام التي انفرد بها ، وأمن المشاركة فيها أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ ، والتذكير والزواجر ، إذا تأمله المتأمل ، وفكر فيه المفكر ( 3 ) ، وخلع من قلبه أنه كلام مثله ، ممن عظم قدره ، ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشك في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهادة ، ولا شغل له بغير العبادة ، قد قبع في كسر بيت ، أو انقطع إلى ( 4 ) سفح جبل ، لا يسمع إلا حسه ، ولا يرى إلا نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب ، مصلتا سيفه ، فيقط الرقاب ، ويجدل الابطال ، ويعود به ينطف دما ، ويقطر مهجا ، وهو مع تلك الحال ، زاهد الزهاد ، وبدل الابدال . وهذه من فضائله العجيبة ، وخصائصه اللطيفة ، التي جمع بها بين الأضداد ، وألف بين الأشتات ، وكثيرا ما أذاكر الاخوان بها ، واستخرج عجبهم منها ، وهي موضع العبرة بها ( 5 ) ، والفكرة فيها . * * *

--> ( 1 ) الصحاح 3 : 1198 . ( 2 ) ب : " المذاكير " ، وما أثبته عن أ . ( 3 ) ب : " المتفكر " ، وما أثبته عن أ . ( 4 ) مخطوطة النهج : " في سفح " . ( 5 ) كلمة " بها " ساقطة من ب ، وهي في أ .