ابن أبي الحديد

46

شرح نهج البلاغة

ولو قال عوض " العلم الإلهي " " الكتاب الإلهي " لكان أحسن . * * * قال الرضي رحمه الله : " فأجبتهم إلى الابتداء بذلك ، عالما بما فيه من عظيم النفع ، ومنشور الذكر ، ومذخور الاجر . واعتمدت به أن أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة ، مضافة إلى المحاسن الدثرة ، والفضائل الجمة ، وأنه انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين ، الذين إنما يؤثر عنهم منها القليل النادر ، والشاذ الشارد ، فأما كلامه عليه السلام فهو البحر الذي لا يساجل ، والجم الذي لا يحافل ، وأردت أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به صلوات الله عليه بقول الفرزدق : أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع " * * * الشرح : المحاسن الدثرة : الكثيرة ، مال دثر ، أي كثير ، والجمة مثله ، ويؤثر عنهم ، أي يحكي وينقل ، قلته آثرا ، أي حاكيا ، ولا يساجل ، أي لا يكاثر ، أصله من النزع بالسجل ، وهو الدلو الملئ ، قال : من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب ( 1 ) ويروى : " ويساحل " بالحاء ، من ساحل البحر وهو طرفه ، أي لا يشابه في بعد ساحله . ولا يحافل ، أي لا يفاخر بالكثرة ، أصله من الحفل ، وهو الامتلاء . والمحافلة : المفاخرة بالامتلاء ، ضرع حافل ، أي ممتلئ .

--> ( 1 ) للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب ، اللسان 13 : 346 ، ونقل عن ابن بري : " أصل المساجلة ، أن يستقي ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله مثل ما يخرج الآخر ، فأيهما نكل فقد غلب ، فضربته العرب أصلا للمفاخرة " .