ابن أبي الحديد

344

شرح نهج البلاغة

متى تجمع القلب الذكي وصارما * وأنفا حميا تجتنبك المظالم والله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الذاهب . وكانت هذه الخطبة عقيب سماعه تكبيرا منكرا في شوارع الكوفة ، فأشفق من الفتنة . * * * ومما خطب به في ذم أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم ( 1 ) . يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق والنفاق ، إن الشيطان استبطنكم ، فخالط اللحم والدم والعصب ، والمسامع والأطراف والأعضاء والشغاف ، ثم أفضى إلى الامخاخ والاصماخ ، ثم ارتفع فعشش ، ثم باض ففرخ ، فحشاكم نفاقا وشقاقا ، وملأكم غدرا وخلافا ، اتخذتموه دليلا تتبعونه ، وقائدا تطيعونه ، ومؤامرا تستشيرونه ، فكيف تنفعكم تجربة ، أو تعظكم واقعة ، أو يحجزكم إسلام ، أو يعصمكم ميثاق ! ألستم أصحابي بالأهواز ، حيث رمتم المكر ، وسعيتم بالغدر ، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته ، وأنا أرميكم بطرفي ، وأنتم تتسللون لواذا ، وتنهزمون سراعا ! ثم يوم الزاوية ( 2 ) ! وما يوم الزاوية ! بها كان فشلكم وكسلكم وتخاذلكم وتنازعكم ، وبراءة الله منكم ، ونكول وليكم عنكم ، إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها ، النوازع إلى أعطانها ، لا يسأل المرء عن أخيه ، ولا يلوي الأب على بنيه ، لما عضكم السلاح ، وقصمتكم ( 3 ) الرماح . ثم يوم دير الجماجم ، وما يوم دير الجماجم !

--> ( 1 ) وقعة دير الجماجم ، كانت بين الحجاج وابن الأشعث قرب الكوفة سنة 83 ، وهزم فيها ابن الأشعث الطبري ( 8 : 21 ) والخطبة في البيان والتبيين 2 : 138 ، العقد 4 : 115 ، نهاية الإرب 7 : 245 مع اختلاف الرواية ( 2 ) الزاوية : موضع قرب البصرة ، كانت به وقعة بين الحجاج وابن الأشعث ، قتل فيها خلق كثير ، وذلك سنة 82 . الطبري ( 8 : 12 ) . ( 3 ) قصمتكم : كسرتكم وغلبتكم ، وفى البيان : " وقصتكم " ، وهما بمعنى .