ابن أبي الحديد

343

شرح نهج البلاغة

وشبه ما كان يحدث من أهلها من الاختلاف والشقاق بالأعاصير ، لإثارتها التراب وإفسادها الأرض . ثم ذكر علة إدالة أهل الشام من أهل العراق ، وهي اجتماع كلمتهم وطاعتهم لصاحبهم وأداؤهم الأمانة وإصلاحهم بلادهم . [ أهل العراق وخطب الحجاج فيهم ] وقال أبو عثمان الجاحظ : العلة في عصيان أهل العراق على الامراء وطاعة أهل الشام أن أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة ، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث ، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال ، والتمييز بين الرؤساء ، وإظهار عيوب الامراء . وأهل الشام ذوو بلادة وتقليد وجمود على رأى واحد ، لا يرون النظر ، ولا يسألون عن مغيب الأحوال . وما زال العراق موصوفا أهله بقلة الطاعة ، وبالشقاق على أولى الرئاسة . * * * ومن كلام الحجاج ( 1 ) : يا أهل العراق ، يا أهل الشقاق والنفاق ، ومساوئ الأخلاق ! أما والله لألحونكم لحو العصا ، ولأعصبنكم عصب السلم ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ، إني أسمع لكم تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب ، ولكنه تكبير الترهيب . ألا إنها عجاجة تحتها قصف ( 2 ) ، يا بنى اللكيعة ، وعبيد العصا ، وأبناء الإماء ! إنما مثلي ومثلكم كما قال ابن براقة ( 4 ) : وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم * فهل أنا في ذا يال همدان ظالم ! ( 5 )

--> ( 1 ) البيان والتبيين 2 : 137 ، وتاريخ الطبري 7 : 212 ، مع اختلاف في الرواية . ( 2 ) العجاجة : شدة الغبار ، والقصف : شدة الريح . ( 3 ) اللكيعة : اللئيمة . ( 4 ) هو عمرو بن الحارث بن عمرو بن منبه بن شهر بن سهم الهمداني ، وبراقة أمه ، ينسب إليها . ( 5 ) البيتان من قصيدة طويلة له ، ذكرها القالي في الأمالي 2 : 122 ، في خبر له مع حريم المرادي حين أغار عليه .