ابن أبي الحديد

308

شرح نهج البلاغة

ولا تنعش ( 1 ) لهما صرعة ، ولا تقل لهما عثرة ، ولا تمهلهما فواقا ( 2 ) ، فإنهما يطلبان حقا تركاه ، ودما سفكاه . اللهم إني أقتضيك وعدك ، فإنك قلت وقولك الحق ، ثم بغى عليه لينصرنه الله ( 3 ) . اللهم فأنجز لي موعدك ، ولا تكلني إلى نفسي ، إنك على كل شئ قدير . ثم نزل . * * * [ خطبته عند مسيره للبصرة ] وروى الكلبي ، قال : لما أراد علي عليه السلام المسير إلى البصرة ، قام فخطب الناس ، فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله ، صلى الله عليه : إن الله لما قبض نبيه ، استأثرت علينا قريش بالامر ، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة ، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين ، وسفك دمائهم . والناس حديثو عهد بالاسلام ، والدين يمخض مخض الوطب ، يفسده أدنى وهن ، ويعكسه أقل خلف . فولى الامر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهادا ، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء ، والله ولى تمحيص سيئاتهم ، والعفو عن هفواتهم . فما بال طلحة والزبير ، وليسا من هذا الامر بسبيل ! لم يصبرا على حولا ولا شهرا حتى وثبا ومرقا ، ونازعاني أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا ، بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين ، يرتضعان أما قد فطمت ، ويحييان بدعة قد أميتت . أدم عثمان زعما ؟ والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم ، وإن أعظم حجتهم لعلى

--> ( 1 ) النعش : الرافع ، نعشت فلانا ، إذا جبرته بعد فقر ، ورفعته بعد عثرة . ( 2 ) الفواق ، بفتح الفاء وضمها : ما بين الحلبتين من الوقت ، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب ، يقال : ما أقام عندنا إلا فواقا ، أي قدر فواق . ( 3 ) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحج 60 : ( ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور ) .