ابن أبي الحديد
309
شرح نهج البلاغة
أنفسهم ، وأنا راض بحجة الله عليهم وعمله فيهم ، فإن فاءا وأنابا فحظهما أحرزا ، وأنفسهما غنما ، وأعظم بها غنيمة ! وإن أبيا أعطيتهما حد السيف ، وكفى به ناصرا لحق ، وشافيا لباطل ! ثم نزل . * * * [ خطبته أيضا بذي قار ] وروى أبو مخنف عن زيد بن صوحان ، قال : شهدت عليا عليه السلام بذي قار ( 5 ) ، وهو معتم بعمامة سوداء ، ملتف بساج يخطب ، فقال في خطبة : الحمد لله على كل أمر وحال ، في الغدو والآصال ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ابتعثه رحمة للعباد ، وحياة للبلاد ، حين امتلأت الأرض فتنة ، واضطرب حبلها ، وعبد الشيطان في أكنافها ، واشتمل عدو الله إبليس على عقائد أهلها ، فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، الذي أطفأ الله به نيرانها ، وأخمد به شرارها ، ونزع به أوتادها ، وأقام به ميلها إمام الهدى ، والنبي المصطفى ، صلى الله عليه وآله . فلقد صدع بما أمر به ، وبلغ رسالات ربه ، فأصلح الله به ذات البين ، وآمن به السبل ، وحقن به به الدماء ، وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور ، حتى أتاه اليقين ، ثم قبضه الله إليه حميدا . ثم استخلف الناس أبا بكر ، فلم يأل جهده ، ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده ، ثم استخلف الناس عثمان ، فنال منكم ونلتم منه ، حتى إذا كان من أمره ما كان ، أتيتموني لتبايعوني ، فقلت : لا حاجة لي في ذلك ، ودخلت منزلي ، فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها ، وتداككتم ( 2 ) على ، حتى ظننت أنكم قاتلي ، وأن بعضكم قاتل بعض ، فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ، ولا جذل .
--> ( 1 ) ذو قار : موضع قريب من البصرة ، وهو المكان الذي كانت فيه الحرب بين العرب والفرس . ( 2 ) تزاحمتم .