ابن أبي الحديد
289
شرح نهج البلاغة
الشرح : الأنيق : المعجب ، وآنقني الشئ ، أي أعجبني ، يقول : لا ينبغي أن يحمل جميع ما في لكتاب العزيز على ظاهره ، فكم من ظاهر فيه غير مراد ، بل المراد به أمر آخر باطن ، والمراد الرد على أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وإفساد قول من قال : كل مجتهد مصيب ، وتلخيص الاحتجاج من خمسة أوجه : الأول : أنه لما كان الاله سبحانه واحدا ، والرسول صلى الله عليه وآله واحدا ، والكتاب واحدا ، وجب أن يكون الحكم في الواقعة واحدا ، كالملك الذي يرسل إلى رعيته رسولا بكتاب يأمرهم فيه بأوامر يقتضيها ملكه وإمرته ، فإنه لا يجوز أن تتناقض أوامره ، ولو تناقضت لنسب إلى السفه والجهل . الثاني : لا يخلو الاختلاف الذي ذهب إليه المجتهدون ، إما أن يكون مأمورا به أو منهيا عنه ، والأول باطل ، لأنه ليس في الكتاب والسنة ما يمكن الخصم أن يتعلق به ، في كون الاختلاف مأمورا به . والثاني حق ، ويلزم منه تحريم الاختلاف . الثالث : إما أن يكون دين الاسلام ناقصا أو تاما ، فإن كان الأول ، كان الله سبحانه قد استعان بالمكلفين على إتمام شريعة ناقصة أرسل بها رسوله ، إما استعانة على سبيل النيابة عنه ، أو على سبيل المشاركة له ، وكلاهما كفر وإن كان الثاني ، فإما أن يكون الله تعالى أنزل الشرع تاما فقصر الرسول عن تبليغه ، أو يكون الرسول قد أبلغه على تمامه وكماله ، فإن كان الأول فهو كفر أيضا ، وإن كان الثاني فقد بطل الاجتهاد ، لان الاجتهاد إنما يكون فيما لم يتبين فأما ما قد بين فلا مجال للاجتهاد فيه . الرابع : الاستدلال بقوله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ( 1 ) ) ، وقوله : ( تبيانا لكل شئ ) ( 2 ) ، وقوله سبحانه : ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب
--> ( 1 ) سورة الأنعام 38 ( 2 ) سورة النحل 89 ، وفى الأصول : وقوله : " فيه تبيان كل شئ " ، والتلاوة ما أثبته