ابن أبي الحديد
290
شرح نهج البلاغة
مبين ) ( 1 ) ، فهذه الآيات دالة على اشتمال الكتاب العزيز على جميع الأحكام ، فكل ما ليس في الكتاب وجب ألا يكون في الشرع . الخامس : قوله تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( 2 ) ، فجعل الاختلاف دليلا على أنه ليس من عند الله ، لكنه من عند الله سبحانه بالأدلة القاطعة الدالة على صحة النبوة ، فوجب ألا يكون فيه اختلاف . واعلم أن هذه الوجوه هي التي يتعلق بها الامامية ونفاة القياس والاجتهاد في الشرعيات ، وقد تكلم عليها أصحابنا في كتبهم ، وقالوا : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يجتهد ويقيس ، وادعوا إجماع الصحابة على صحة الاجتهاد والقياس ، ودفعوا صحة هذا الكلام المنسوب في هذا الكتاب إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقالوا : إنه من رواية الامامية ، وهو معارض بما ترويه الزيدية عنه وعن أبنائه عليهم السلام في صحة القياس والاجتهاد ، ومخالطة الزيدية لائمة أهل البيت عليهم السلام كمخالطة الامامية لهم ، ومعرفتهم بأقوالهم وأحوالهم ومذاهبهم كمعرفة الامامية ، لا فرق بين الفئتين في ذلك . والزيدية قاطبة جاروديتها وصالحيتها ( 3 ) تقول بالقياس والاجتهاد ، وينقلون في ذلك نصوصا عن أهل البيت عليهم السلام . وإذا تعارضت الروايتان تساقطتا ، وعدنا إلى الأدلة المذكورة في هذه المسألة . وقد تكلمت في " اعتبار الذريعة " للمرتضى ( 4 ) على احتجاجه في إبطال القياس والاجتهاد بما ليس هذا موضع ذكره .
--> ( 1 ) سورة الأنعام 59 ( 2 ) سورة النساء 82 ( 3 ) الزيدية : أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وهم أصناف ثلاثة : جارودية ، وهم أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد ، وسليمانية وهم أصحاب سليمان بن جرير ، وصالحية أصحاب الحسن بن صالح بن حي ، ومن هؤلاء البترية أصحاب كثير الأبتر . وانظر بتفصيل مذهبهم في الملل والنحل للشهرستاني 1 : 137 - 143 ( 4 ) هو كتاب الذريعة إلى أصول الشريعة ، للشريف المرتضى ، شرحه ابن أبي الحديد وسمى شرحه الاعتبار على كتاب الذريعة ، في ثلاثة مجلدات . وانظر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة 10 : 26