ابن أبي الحديد
260
شرح نهج البلاغة
وقال قوم : إن عمرا لما قتل من قتل ، وأراد أن يخرج لطلب البراز ، قال للأزد : يا معشر الأزد ، إنكم قوم لكم حياء وبأس ، وإني قد وترت القوم وهم قاتلي ، وهذه أمكم نصرها دين ، وخذلانها عقوق ، ولست أخشى أن أقتل حتى أصرع ، فإن صرعت فاستنقذوني . فقالت له الأزد : ما في هذا الجمع أحد نخافه عليك إلا الأشتر ، قال : فإياه أخاف . قال أبو مخنف : فقيضه الله له ، وقد أعلما جميعا ، فارتجز الأشتر : إني إذا ما الحرب أبدت نابها * وأغلقت يوم الوغى أبوابها ومزقت من حنق أثوابها * كنا قداماها ولا أذنابها ( 1 ) ليس العدو دوننا أصحابها * من هابها اليوم فلن أهابها * لا طعنها أخشى ولا ضرابها * ثم حمل عليه فطعنه فصرعه ، وحامت عنه الأزد فاستنقذوه ، فوثب وهو وقيذ ثقيل ( 2 ) ، فلم يستطع أن يدفع عن نفسه ، واستعرضه عبد الرحمن بن طود البكري ، فطعنه فصرعه ثانية ، ووثب عليه رجل من سدوس ، فأخذه مسحوبا برجله حتى أتى به عليا عليه السلام ، فناشده الله ، وقال : يا أمير المؤمنين ، اعف عنى ، فإن العرب لم تزل قائلة عنك : إنك لم تجهز على جريح قط . فأطلقه ، وقال : إذهب حيث شئت ، فجاء إلى أصحابه وهو لما به . حضره الموت ، فقالوا له : دمك عند أي الناس ؟ فقال : أما الأشتر فلقيني وأنا كالمهر الأرن ( 3 ) ، فعلا حده حدى ، ولقيت رجلا يبتغى له عشرة أمثالي . وأما البكري فلقيني ، وأنا لما بي ، وكان يبتغى لي عشرة أمثاله ، وتولى أسرى أضعف القوم ، وصاحبي الأشتر . قال أبو مخنف : فلما انكشفت الحرب ، شكرت ابنة عمرو بن يثربي الأزد ، وعابت قومها ، فقالت :
--> ( 1 ) قدامي الجيش : مقدمه . ( 2 ) الوقيذ : الجريح المشرف على الموت . ( 3 ) الأردن : النشيط .