ابن أبي الحديد
259
شرح نهج البلاغة
ابن يثربي ، فإذا قتلني فادفني بدمي ، ولا تغسلني ، فإني مخاصم عند ربى . ثم خرج فقتله عمرو ، ثم رجع إلى خطام الجمل مرتجزا يقول : أرديت علباء وهندا في طلق * ثم ابن صوحان خضيبا في علق ( 1 ) قد سبق اليوم لنا ما قد سبق * والوتر منا في عدى ذي الفرق والأشتر الغاوي وعمرو بن الحمق ( 2 ) * والفارس المعلم في الحرب الحنق ذاك الذي في الحادثات لم يطق * أعني عليا ليته فينا مزق قال : قوله : " والوتر منا في عدى " يعنى عدى بن حاتم الطائي ، وكان من أشد الناس على عثمان ، ومن أشدهم جهادا مع علي عليه السلام . ثم ترك ابن يثربي الخطام ، وخرج يطلب المبارزة فاختلف في قاتله ، فقال قوم : إن عمار بن ياسر خرج إليه ، والناس يسترجعون له ، لأنه كان أضعف من برز إليه يومئذ . أقصرهم سيفا ، وأقصفهم رمحا ، وأحمشهم ( 3 ) ساقا ، حمالة سيفه من نسعة ( 4 ) الرحل ، وذباب سيفه ( 5 ) قريب من إبطه . فاختلفا ضربتين ، فنشب سيف ابن يثربي في حجفة ( 6 ) عمار فضربه عمار على رأسه فصرعه ، ثم أخذ برجله يسحبه حتى انتهى به إلى علي عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين استبقني أجاهد بين يديك ، وأقتل منهم مثل ما قتلت منكم . فقال له علي عليه السلام : أبعد زيد وهند وعلباء أستبقيك ! لاها الله إذا ! قال : فأدنني منك أسارك ، قال له : أنت متمرد ، وقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالمتمردين ، وذكرك فيهم . فقال : أما والله لو وصلت إليك لعضضت أنفك عضة أبنته منك . فأمر به عليه السلام فضربت عنقه .
--> ( 1 ) الطلق : الشوط ، والفلق : الدم ( 2 ) عمرو بن الحمق ، يعرف بالكاهن ، صحب الرسول عليه السلام وشهد المشاهد مع علي ، وقتله معاوية بالجزيرة ، وكان رأسه أول رأس صلب في الاسلام . الاشتقاق 474 ( 3 ) أحمش الساقين : دقيقهما . ( 4 ) المسع : سير ينسج عريضا على هيئة أعنة النعال ، تشتد به الرحال ، والقطعة منه نسعة . ( 5 ) الذباب : حد السيف ، أو طرفه المتطرف . ( 6 ) الحجفة : واحدة الحجف ، وهي التروس من جلد أو خشب .