ابن أبي الحديد
257
شرح نهج البلاغة
وأخذت عائشة كفا من حصى ، فحصبت به أصحاب علي عليه السلام ، وصاحت بأعلى صوتها شاهت الوجوه ! كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين ، فقال لها قائل : وما رميت إذ رميت ولكن الشيطان ( 1 ) رمى . وزحف علي عليه السلام نحو ( 2 ) الجمل بنفسه في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار ، وحوله بنوه : حسن وحسين ومحمد عليهم السلام ودفع الراية إلى محمد ، وقال : أقدم بها حتى تركزها في عين ( 3 ) الجمل ، ولا تقفن دونه . فتقدم محمد ، فرشقته السهام ، فقال لأصحابه : رويدا حتى تنفد سهامهم ، فلم يبق لهم إلا رشقة أو رشقتان . فأنفذا إليه علي عليه السلام يستحثه ، ويأمره بالمناجزة ، فلما أبطأ عليه جاء بنفسه من خلفه ، فوضع يده اليسرى على منكبه الأيمن ، وقال له : أقدم لا أم لك ! فكان محمد رضي الله عنه إذا ذكر ذلك بعد يبكى ، ويقول : لكأني أجد ريح نفسه في قفاي ، والله لا أنسى ذلك أبدا . ثم أدركت عليا عليه السلام رقة على ولده ، فتناول الراية منه بيده اليسرى ، وذو الفقار مشهور في يمنى يديه ، ثم حمل فغاص في عسكر الجمل ، ثم رجع وقد انحنى سيفه ، فأقامه بركبته . فقال له أصحابه وبنوه والأشتر وعمار ، نحن نكفيك يا أمير المؤمنين . فلم يجب أحدا منهم ولا رد إليهم بصره ، وظل ينحط ( 4 ) ويزأر زئير الأسد ، حتى فرق من حوله . وتبادروه وإنه لطامح ببصره نحو عسكر البصرة ، لا يبصر من حوله ، ولا يرد حوارا ، ثم دفع الراية إلى ابنه محمد ، ثم حمل حملة ثانية وحده ، فدخل وسطهم فضربهم بالسيف قدما قدما ، والرجال تفر من بين يديه وتنحاز عنه يمنة ويسرة ، حتى خضب الأرض بدماء القتلى ، ثم رجع وقد انحنى سيفه ، فأقامه بركبته ، فاعصوصب ( 5 ) به أصحابه ، وناشدوه الله في نفسه وفي الاسلام ، وقالوا : إنك إن تصب يذهب الدين ، فأمسك ونحن نكفيك . فقال : والله ما أريد بما ترون إلا وجه الله والدار الآخرة . ثم قال لمحمد ابنه : هكذا تصنع يا بن الحنفية ، فقال الناس : من الذي يستطيع ما تستطيعه يا أمير المؤمنين !
--> ( 1 ) كذا في ا ، وفى ب " ولكن الله " . ( 2 ) ا : " يوم " . ( 3 ) ا : " عجز " ( 4 ) ينحط : يزفر . ( 5 ) اعصوصبوا به : استجمعوا والتفوا حوله .