ابن أبي الحديد
242
شرح نهج البلاغة
وصممت ، فغض حينئذ بصرك واحمل ، وكن كالعشواء التي تخبط ما أمامها ولا تبالي . وقوله : " عض على ناجذك " ، قالوا : إن العاض على نواجذه ينبو السيف عن دماغه ، لان عظام الرأس تشتد وتصلب ، وقد جاء في كلامه عليه السلام هذا مشروحا في موضع آخر ، وهو قوله : " وعضوا على النواجذ ، فإنه أنبى للصوارم عن الهام " . ويحتمل أن يريد به شدة الحنق . قالوا : فلان يحرق على الأرم ، يريدون شدة الغيظ ، والحرق : صريف الأسنان وصوتها ، والارم : الأضراس . وقوله : " أعر الله جمجمتك " ، معناه ابذلها في طاعة الله ، ويمكن أن يقال : إن ذلك إشعار له أنه لا يقتل في تلك الحرب ، لان العارية مردودة ، ولو قال له : بع الله جمجمتك ، لكان ذلك إشعارا له بالشهادة فيها . وأخذ يزيد بن المهلب هذه اللفظة فخطب أصحابه بواسط ، فقال : إني قد أسمع قول الرعاع : جاء مسلمة ، وجاء العباس ( 1 ) ، وجاء أهل الشام ، ومن أهل الشام ! والله ما هم إلا تسعة أسياف ، سبعة منها معي ، واثنان على ، وأما مسلمة فجرادة صفراء ، وأما العباس فنسطوس ابن نسطوس ، أتاكم في برابرة وصقالبة وجرامقة وأقباط وأخلاط ، إنما أقبل إليكم الفلاحون وأوباش كأشلاء اللحم . والله ما لقوا قط كحديدكم وعديدكم ، أعيروني سواعدكم ساعة تصفقون بها خراطيمهم ، فإنما هي غدوة أو روحة ، حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الظالمين . من صفات الشجاع قولهم : فلان مغامر ، وفلان غشمشم ، أي لا يبصر ما بين يديه في الحرب ، وذلك لشدة تقحمه وركوبه المهلكة ، وقلة نظره في العاقبة ، وهذا هو معنى قوله عليه السلام لمحمد : " غض بصرك " .
--> ( 1 ) هما مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك جهزهما يزيد بن بن عبد الملك لقتال يزيد بن المهلب . انظر ابن خلكان ، ترجمة يزيد بن عبد الملك .