ابن أبي الحديد

240

شرح نهج البلاغة

زيد القوم أي سبقهم ، ورجل فرط : يسبق القوم إلى البئر ، فيهيئ لهم الأرشية والدلاء ، ومنه قوله عليه السلام : " أنا فرطكم على الحوض " ، ويكون تقدير الكلام : وأيم الله لأفرطن لهم إلى حوض ، فلما حذف الجار عدى الفعل بنفسه ، فنصب ، كقوله تعالى : ( واختار موسى قومه ) ( 1 ) ، وتكون اللام في " لهم " إما لام التعدية ، كقوله : " ويؤمن للمؤمنين " أي ويؤمن المؤمنين ، أو تكون لام التعليل ، أي لأجلهم . ومن رواها " لأفرطن " بضم الهمزة ، فهو من أفرط المزادة ، أي ملأها . والماتح : المستقى ، متح يمتح ، بالفتح ، والمايح ، بالياء : الذي ينزل إلى البئر فيملأ الدلو . وقيل لأبي على رحمه الله : ما الفرق بين الماتح والمايح ؟ فقال : هما كإعجامهما ، يعنى أن التاء بنقطتين من فوق ، وكذلك الماتح لأنه المستقى ، فهو فوق البئر ، والياء بنقطتين من تحت ، وكذلك المايح لأنه تحت في الماء الذي في البئر يملأ الدلاء . ومعنى قوله : " أنا ماتحه " أنا خبير به ، كما يقل من يدعى معرفة الدار : أنا باني هذه الدار ، والكلام استعارة ، يقول لأملأن لهم حياض الحرب التي هي دربتي وعادتي ، أو لأسبقنهم إلى حياض حرب أنا متدرب لها ، مجرب لها ، إذا وردوها لا يصدرون عنها يعنى قتلهم وإزهاق أنفسهم ومن فر منهم لا يعود إليها ، ومن هذا اللفظ قول الشاعر : مخضت بدلوه حتى تحسى ذنوب الشر ملأى أو قرابا ( 2 ) * * *

--> ( 1 ) سورة الأعراف 155 ( 2 ) البيت في شرح الحماسة للمرزوقي 533 من غير نسبة .