ابن أبي الحديد
238
شرح نهج البلاغة
وقوله عليه السلام : " ومع هذين الامرين الفشل " معنى حسن ، لان الغالب من الجبناء كثرة الضوضاء والجلبة يوم الحرب ، كما أن الغالب من الشجعان الصمت والسكون . وسمع أبو طاهر ( 1 ) الجنابي ضوضاء عسكر المقتدر بالله ودبادبهم ( 2 ) وبوقاتهم ، وهو في ألف وخمسمائة ، وعسكر المقتدر في عشرين ألفا ، مقدمهم يوسف بن أبي الساج ، فقال لبعض أصحابه : ما هذا الزجل ( 3 ) ؟ قال : فشل ، قال : أجل . ويقال : إنه ما رئي جيش كجيش أبى طاهر ، ما كان يسمع لهم صوت ، حتى إن الخيل لم تكن لها حمحمة ، فرشق عسكر ابن أبي الساج ( 4 ) القرامطة بالسهام المسمومة ، فجرح منهم أكثر من خمسمائة إنسان . وكان أبو طاهر في عمارية له ، فنزل وركب فرسا ، وحمل بنفسه ومعه أصحابه حملة عظيمة على عسكر ابن أبي الساج ، فكسروه وفلوه وخلصوا إلى يوسف فأسروه ، وتقطع عسكره بعد أن أتى بالقتل على كثير منهم ، وكان ذلك في سنة خمس عشرة وثلاثمائة . ومن أمثالهم : الصدق ينبئ عنك لا الوعيد .
--> ( 1 ) هو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي ، كان أبوه الحسن كبير القرامطة ، وقتل سنة 301 ، قتله خام له صقلبي ، فتولى ابنه أبو طاهر أمر القرامطة بعده ، بعد أن عجز أخوه سعيد عن الامر . ابن الأثير 6 : 147 ( 2 ) في اللسان : " الدبادب : صوت كأنه دب ، دب ، وهي حكاية الصوت " . ( 3 ) الزجل : الجلبة ورفع الصوت 6 : ( 4 ) هو يوسف بن أبي الساج ، أحد ولاة الري في عهد المقتدر ، وكان استقل عن الخليفة ، ثم عاد إلى طاعته . وانظر طرفا من أخباره في ابن الأثير في 6 : 175 ، وما بعدها .