ابن أبي الحديد

232

شرح نهج البلاغة

طلب طلحة والزبير من علي عليه السلام أن يوليهما المصرين : البصرة والكوفة ، فقال : حتى أنظر . ثم استشار المغيرة بن شعبة ، فقال له : أرى أن توليهما إلى أن يستقيم لك أمر الناس . فخلا بابن عباس ، وقال : ما ترى ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن الكوفة والبصرة عين الخلافة ، وبهما كنوز الرجال ، ومكان طلحة والزبير من الاسلام ما قد علمت ، ولست آمنهما إن وليتهما أن يحدثا أمرا . فأخذ علي عليه السلام برأي ابن عباس . وقد كان استشار المغيرة أيضا في أمر معاوية ، فقال له : أرى إقراره على الشام ، وأن تبعث إليه بعهده إلى أن يسكن شغب الناس ، ولك بعد رأيك . فلم يأخذ برأيه . فقال المغيرة بعد ذلك : والله ما نصحته قبلها ، ولا أنصحه بعدها ، ما بقيت . * * * دخل الزبير وطلحة على علي عليه السلام ، فاستأذناه في العمرة ، فقال : ما العمرة تريدان ، فحلفا له بالله أنهما ما يريدان غير العمرة ، فقال لهما : ما العمرة تريدان ، وإنما تريدان الغدرة ونكث البيعة ، فحلفا بالله ما الخلاف عليه ولا نكث بيعة يريدان ، وما رأيهما غير العمرة . قال لهما : فأعيدا البيعة لي ثانية ، فأعاداها بأشد ما يكون من الايمان والمواثيق ، فأذن لهما ، فلما خرجا من عنده ، قال لمن كان حاضرا : والله لا ترونهما إلا في فتنة يقتتلان فيها . قالوا : يا أمير المؤمنين ، فمر بردهما عليك ، قال : ليقضى الله أمرا كان مفعولا . * * * لما خرج الزبير وطلحة من المدينة إلى مكة لم يلقيا أحدا إلا وقالا له : ليس لعلى في أعناقنا بيعة ، وإنما بايعناه مكرهين . فبلغ عليا عليه السلام قولهما ، فقال : أبعدهما الله وأغرب ( 1 ) دارهما ، أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل ، ويأتيان من

--> ( 1 ) يقال : أغرب دار : أبعدها .