ابن أبي الحديد

209

شرح نهج البلاغة

وقرت أذنه ، بفتح الواو وكسر القاف توقر وقرا أي صمت ، والمصدر في هذا الموضع جاء بالسكون ، وهو شاذ ، وقياسه التحريك بالفتح ، نحو ورم ورما . والواعية : الصارخة ، من الوعاء ، وهو الجلبة والأصوات ، والمراد العبر والمواعظ . قوله : " كيف يراعى النبأة " ، هذا مثل آخر ، يقول : كيف يلاحظ ويراعى العبر الضعيفة من لم ينتفع بالعبر الجلية الظاهرة ، بل فسد عندها ، وشبه ذلك بمن أصمته الصيحة القوية ، فإنه محال أن يراعى بعد ذلك الصوت الضعيف . والنبأة : هي الصوت الخفي . فإن قيل : هذا يخالف قولكم : إن الاستفساد لا يجوز على الحكيم سبحانه ، فإن كلامه عليه السلام صريح في أن بعض المكلفين يفسد عند العبر والمواعظ . قيل : إن لفظة " أفعل " قد تأتى لوجود الشئ على صفة ، نحو أحمدته ، إذا أصبته محمودا . وقالوا : أحييت الأرض ، إذا وجدتها حية النبات ( 1 ) ، فقوله : " أصمته الصيحة " ، ليس معناه أن الصيحة كانت علة لصممه ، بل بمعناه صادفته أصم ، وبهذا تأول أصحابنا قوله تعالى : ( وأضله الله على علم ) ( 2 ) . قوله : " ربط جنان لم يفارقه الخفقان " ، هذا مثل آخر ، وهو دعاء لقلب لا يزال خائفا من الله يخفق بالثبوت والاستمساك . قوله : " ما زلت أنتظر بكم " ، يقول : كنت مترقبا غدركم متفرسا فيكم الغرر ، وهو الغفلة . وقيل : إن هذه الخطبة خطبها بعد مقتل طلحة والزبير ، مخاطبا بها ، لهما ولغيرهما من أمثالهما ، كما قال النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر ، بعد قتل من قتل من قريش : " يا عتبة بن ربيعة ،

--> ( 1 ) ا : " ذا نبات " ( 2 ) سورة الجاثية 23