ابن أبي الحديد

210

شرح نهج البلاغة

يا شيبة بن ربيعة ، يا عمرو بن هشام " ، وهم جيف منتنة قد جروا إلى القليب . قوله : " سترني عنكم " ، هذا يحتمل وجوها ، أوضحها أن إظهاركم شعار الاسلام عصمكم منى مع علمي بنفاقكم ، وإنما أبصرت نفاقكم وبواطنكم الخبيثة بصدق نيتي ، كما يقال : المؤمن يبصر بنور الله . ويحتمل أن يريد : سترني عنكم جلباب ديني ومنعني أن أعرفكم نفسي وما أقدر عليه من عسفكم ، كما تقول لمن استهان بحقك : أنت لا تعرفني ولو شئت لعرفتك نفسي . وفسر القطب الراوندي قوله عليه السلام : " وبصرنيكم صدق النية " ، قال : معناه أنكم إذا صدقتم نياتكم ، ونظرتم بأعين لم تطرف بالحسد والغش وأنصفتموني ، أبصرتم عظيم منزلتي . وهذا ليس بجيد ، لأنه لو كان هو المراد لقال : وبصركم إياي صدق النية ، ولم يقل ذلك ، وإنما قال : " بصرنيكم " ، فجعل صدق النية مبصرا له لا لهم . وأيضا فإنه حكم بأن صدق النية هو علة التبصير ، وأعداؤه لم يكن فيهم صادق النية ، وظاهر الكلام الحكم والقطع ، لا التعليق بالشرط . قوله : " أقمت لكم على سنن الحق " ، يقال : تنح عن سنن الطريق وسنن الطريق بفتح السين وضمها ، فالأول مفرد ، والثاني جمع سنة ، وهي جادة الطريق والواضح منها ، وأرض مضلة ومضلة ، بفتح الضاد وكسرها : يضل سالكها . وأماه المحتفر يميه ، أنبط الماء ، يقول : فعلت من إرشادكم وأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر ما يجب على مثلي ، فوقفت لكم على جادة الحق ومنهجه ، حيث طرق الضلال كثيرة مختلفة من سائر جهاتي ، وأنتم تائهون فيها تلتقون ، ولا دليل لكم ، وتحتفرون لتجدوا ماء تنقعون به غلتكم فلا تظفرون بالماء ، وهذه كلها استعارات .