ابن أبي الحديد

155

شرح نهج البلاغة

واعلم أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، وتقديره : ولا يرقى إلى الطير ، فطفقت أرتئي بين كذا وكذا ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، ثم " فصبرت وفي العين قذى " ، إلى آخر القصة ، لأنه لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا ويطوي عنها كشحا ، ثم يطفق يرتئي بين أن ينابذهم أو يصبر ، ألا ترى أنه إذا سدل دونها ثوبا ، وطوى عنها كشحا ، فقد تركها وصرمها ، ومن يترك ويصرم لا يرتئي في المنابذة ! والتقديم والتأخير طريق لأحب ، وسبيل مهيع في لغة العرب ، قال سبحانه : ( الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا . قيما ) ، ( 1 ) أي أنزل على عبده الكتاب قيما ، ولم يجعل له عوجا ، وهذا كثير . وقوله عليه السلام : " حتى يلقى ربه " بالوقف والاسكان ، كما جاءت به الرواية في قوله سبحانه : ( ذلك لمن خشي ربه ) ( 2 ) بالوقف أيضا . [ نسب أبى بكر ونبذه من أخبار أبيه ] ابن أبي قحافة المشار إليه هو أبو بكر ، واسمه القديم عبد الكعبة ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله . واختلفوا في " عتيق " ، فقيل : كان اسمه في الجاهلية ، وقيل : بل سماه به رسول الله صلى الله عليه وآله . واسم أبى قحافة عثمان ، وهو عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مره بن كعب بن لؤي بن غالب . وأمه ابنة عم أبيه ، وهي أم الخير بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد . أسلم أبو قحافة يوم الفتح ، جاء به ابنه أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله ، وهو شيخ كبير ، رأسه كالثغامة البيضاء ، فأسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " غيروا شيبته " .

--> ( 1 ) سورة الكهف 1 ، 2 ( 2 ) سورة البينة 8 ( 3 ) أورد الخبر ابن الأثير في النهاية ( 1 : 129 ) : " أنى بأبي قحافة يوم الفتح وكأن رأسه ثغامة " . وقال : " هو نبت أبيض الزهر والثمر ، يشبه به الشيب . وقيل : هي شجرة تبيض كأنها الثلج " .