ابن أبي الحديد

156

شرح نهج البلاغة

وولى ابنه الخلافة وهو حي منقطع في بيته ، مكفوف عاجز عن الحركة ، فسمع ضوضاء الناس ، فقال : ما الخبر ؟ فقالوا ولى ابنك الخلافة ، فقال : رضيت بنو عبد مناف بذلك ؟ قالوا : نعم ، قال : اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت . ولم يل الخلافة من أبوه حي إلا أبو بكر ، وأبو بكر عبد الكريم ( 1 ) الطائع لله ، ولى الامر وأبوه المطيع حي ، خلع نفسه من الخلافة ، وعهد بها إلى ابنه . وكان المنصور يسمى عبد الله بن الحسن بن الحسن ( 2 ) أبا قحافة تهكما به ، لان ابنه ( 3 ) محمدا ادعى الخلافة وأبوه حي . ومات أبو بكر وأبو قحافة حي ، فسمع الأصوات فسأل ، فقيل : مات ابنك ، فقال : رزء جليل . وتوفى أبو قحافة في أيام عمر في سنة أربع عشرة للهجرة ، وعمره سبع وتسعون سنة ، وهي السنة التي توفى فيها نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ( 4 ) . إن قيل : بينوا لنا ما عندكم في هذا الكلام ! أليس صريحه دالا على تظليم القوم ونسبتهم إلى اغتصاب الامر ! فما قولكم في ذلك ؟ إن حكمتم عليهم بذلك فقد طعنتم فيهم ، وإن لم تحكموا عليهم بذلك ، فقد طعنتم في المتظلم المتكلم عليهم ! قيل : أما الامامية من الشيعة فتجري هذه الألفاظ على ظواهرها ، وتذهب إلى أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنه غصب حقه .

--> ( 1 ) أصيب المطيع لله بالفالج ، ولما قوى عليه وثقل لسانه ، خلع نفسه . وبويع لولده الطائع ، وكان ذلك في سنة 364 . الفخري ص 253 ( 2 ) كان عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، شيخ بني هاشم في وقته ، والمقدم فيهم . وانظر أخباره في مقاتل الطالبيين ص 179 - 185 . ( 3 ) كان علماء آل أبي طالب يرون في محمد بن عبد الله بن الحسن أنه النفس الزكية ، وكان أفضل أهل بيته في علمه بكتاب الله وحفظه له ، مع فقهه في الدين وشجاعته وجوده وبأسه وكل أمر يجمل بمثله . وانظر ترجمته وأخباره في مقاتل الطالبيين ص 232 - 299 ( 4 ) هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، له صحبة ، وكان أسن من أسلم من بني هاشم ، حتى من عميه حمزة والعباس . الإصابة 6 : 258