ابن أبي الحديد
152
شرح نهج البلاغة
مع مشقة قال تعالى : ( إنك كادح إلى ربك كدحا ) ( 1 ) . وهاتا ، بمعنى هذه " ها " للتنبيه ، و " تا " للإشارة ، ومعنى " تا " ذي ، وهذا أحجى من كذا أي أليق بالحجا ، وهو العقل . * * * وفي هذا الفصل من باب البديع في علم البيان عشرة ألفاظ : أولها : قوله : " لقد تقمصها " ، أي جعلها كالقميص مشتملة عليه ، والضمير للخلافة ، ولم يذكرها للعلم بها ، كقوله سبحانه : ( حتى توارت بالحجاب ) ( 2 ) ، وكقوله : ( كل من عليها فان ) ( 3 ) ، وكقول حاتم : أماوي ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ( 4 ) وهذه اللفظة مأخوذة من كتاب الله تعالى في قوله سبحانه : ( ولباس التقوى ) ( 5 ) ، وقول النابغة ( 6 ) : تسربل سربالا من النصر وارتدى عليه بعضب في الكريهة فاصل الثانية : قوله : " ينحدر عنى السيل " ، يعنى رفعة منزلته عليه السلام ، كأنه في ذروة جبل أو يفاع مشرف ، ينحدر السيل عنه إلى الوهاد والغيطان ، قال الهذلي : وعيطاء يكثر فيها الزليل وينحدر السيل عنها انحدارا ( 7 ) الثالثة قوله عليه السلام : " ولا يرقى إلى الطير " ، هذه أعظم في الرفعة والعلو من التي قبلها ، لان السيل ينحدر عن الرابية والهضبة ، وأما تعذر رقى الطير فربما يكون للقلال الشاهقة جدا ، بل ما هو أعلى من قلال الجبال ، كأنه يقول : إني لعلو منزلتي كمن في السماء التي يستحيل أن يرقى الطير إليها ، قال أبو الطيب : فوق السماء وفوق ما طلبوا فإذا أرادوا غاية نزلوا ( 8 )
--> ( 1 ) سورة الانشقاق 6 ( 2 ) سورة ص 32 ( 3 ) سورة الرحمن 26 ( 4 ) ديوانه 118 ( 5 ) سورة الأعراف 26 ( 6 ) كذا في الأصول ، والصواب أنه لأبي تمام ، ديوانه 3 : 82 ( 7 ) عيطاء : مرتفعة . والزليل : الزلل ( 8 ) ديوانه 3 : 31