ابن أبي الحديد

137

شرح نهج البلاغة

الأصل ، ومثله النجار . وانهارت : تساقطت . والشرك : الطرائق ، جمع شراك . والأخفاف للإبل ، والأظلاف للبقر والمعز . وقال الراوندي في تفسير قوله : " خير دار ، وشر جيران " : خير دار : الكوفة . وقيل : الشام ، لأنها الأرض المقدسة ، وأهلها شر جيران ، يعنى أصحاب معاوية . وعلى التفسير الأول يعنى أصحابه عليه السلام . قال : وقوله : " نومهم سهود " يعنى أصحاب معاوية لا ينامون طول الليل ، بل يرتبون أمره . وإن كان وصفا لأصحابه عليه السلام بالكوفة - وهو الأقرب - فالمعنى أنهم خائفون يسهرون ويبكون لقلة موافقتهم إياه ، وهذا شكاية منه عليه السلام لهم . وكحلهم دموع ، أي نفاقا فإنه إذا تم نفاق المرء ملك عينيه . ولقائل أن يقول : لم يجر فيما تقدم ذكر أصحابه عليه السلام ولا أصحاب معاوية ، والكلام كله في وصف أهل الجاهلية قبل مبعث محمد صلى الله عليه وآله . ثم لا يخفى ما في هذا التفسير من الركاكة والفجاجة وهو أن يريد بقوله : " نومهم سهود " أنهم طوال الليل يرتبون أمر معاوية ، لا ينامون ، وأن يريد بذلك أن أصحابه يبكون من خوف معاوية وعساكره ، أو أنهم يبكون نفاقا ، والامر أقرب من أن يتمحل له مثل هذا . ونحن نقول : إنه عليه السلام لم يخرج من صفة أهل الجاهلية ، وقوله : " في خير دار " يعنى مكة ، " وشر جيران " يعنى قريشا ، وهذا لفظ النبي صلى الله عليه وآله حين حكى بالمدينة حالة كانت في مبدأ البعثة ، فقال : " كنت في خير دار " و " شر جيران " ، ثم حكى عليه السلام ما جرى له مع عقبة بن أبي معيط ، والحديث مشهور . وقوله : " نومهم سهود ، وكحلهم دموع " مثل أن يقول : جودهم بخل ، وأمنهم خوف ، أي لو استماحهم محمد عليه السلام النوم لجادوا عليه بالسهود ، عوضا عنه ، ولو استجداهم الكحل لكان كحلهم الذي يصلونه به الدموع .