ابن أبي الحديد
136
شرح نهج البلاغة
والكتاب المسطور ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، والامر الصادع ، إزاحة للشبهات ، واحتجاجا بالبينات ، وتحذيرا بالآيات ، وتخويفا بالمثلات ، والناس في فتن انجذم فيها ( 1 ) حبل الدين ، وتزعزعت سواري اليقين ، واختلف النجر ، وتشتت الامر ، وضاق المخرج ، وعمى المصدر ، فالهدى خامل ، والعمى شامل ، عصى الرحمن ، ونصر الشيطان ، وخذل الايمان ، فانهارت دعائمه ، وتنكرت معالمه ، ودرست سبله ، وعفت شركه . أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ، ووردوا مناهله ، بهم سارت أعلامه ، وقام لواؤه . في فتن داستهم بأخفافها ، ووطئتهم بأظلافها ، وقامت على سنابكها ، فهم فيها تائهون حائرون ، جاهلون مفتونون ، في خير دار وشر جيران ، نومهم سهود ، وكحلهم دموع ، بأرض عالمها ملجم ، وجاهلها مكرم . * * * الشرح : قوله عليه السلام : " والعلم المأثور " ، يجوز أن يكون عنى به القرآن ، لان المأثور المحكى ، والعلم ما يهتدى ، به ، والمتكلمون يسمون المعجزات أعلاما . ويجوز أن يريد به أحد معجزاته غير القرآن ، فإنها كثيرة ومأثورة ، ويؤكد هذا قوله بعد : " والكتاب المسطور " ، فدل على تغايرهما ، ومن يذهب إلى الأول يقول : المراد بهما واحد ، والثانية توكيد الأولى على قاعدة الخطابة والكتابة . والصادع : الظاهر الجلي ، قال تعالى : ( فاصدع بما تؤمر ) ( 2 ) أي أظهره ولا تخفه . والمثلات ، بفتح الميم وضم الثاء : العقوبات ، جمع مثلة قال تعالى : ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات ) ( 3 ) . وانجذم : انقطع . والسواري : جمع سارية ، وهي الدعامة يدعم بها السقف . والنجر :
--> ( 1 ) مخطوطة النهج : " فيها " ( 2 ) سورة الرعد 6 . ( 3 ) سورة الحجر 94