ابن أبي الحديد
123
شرح نهج البلاغة
الأصل : وفرض عليكم حج بيته الحرام ، الذي جعله قبلة للأنام ، يردونه ورود الانعام ، ويألهون إليه ولوه الحمام ، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته ، وإذعانهم لعزته ، واختار من خلقه سماعا أجابوا إليه دعوته ، وصدقوا ( 1 ) كلمته ، ووقفوا مواقف أنبيائه ، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه ، يحرزون الأرباح في متجر عبادته ، ويتبادرون عنده موعد مغفرته . جعله سبحانه وتعالى للاسلام علما ، وللعائذين حرما ، وفرض حقه ، وأوجب حجه ( 2 ) وكتب عليكم وفادته ، فقال سبحانه : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين ) ( 3 ) . * * * الشرح : الوله : شدة الوجد ، حتى يكاد العقل يذهب ، وله الرجل يوله ولها . ومن روى : " يألهون إليه ولوه الحمام " فسره بشئ آخر ، وهو يعكفون عليه عكوف الحمام ، وأصل " أله " عبد ، ومنه الاله ، أي المعبود . ولما كان العكوف على الشئ كالعبادة له لملازمته والانقطاع إليه قيل : أله فلان إلى كذا ، أي عكف عليه كأنه يعبده . ولا يجوز أن يقال : " يألهون إليه " في هذا الموضع بمعنى " يولهون " ، وأن أصل الهمزة الواو كما فسره الراوندي لان " فعولا " لا يجوز أن يكون مصدرا من فعلت بالكسر ، ولو كان يألهون هو يولهون ، كان أصله أله بالكسر ، فلم يجز أن يقول : " ولوه الحمام " ، وأما على ما فسرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدرا ، لان " أله " مفتوح ، فصار كقولك : دخل دخولا . وباقي الفصل غنى عن التفسير .
--> ( 1 ) مخطوطة النهج : " وصدقوا إليه " . ( 2 ) مخطوطة النهج : " فرض حجه ، وأوجب حقه " ( 3 ) سورة آل عمران 97