ابن أبي الحديد

116

شرح نهج البلاغة

من قبله " : كان من ألطاف الأنبياء المتقدمين وأوصيائهم ، أن يعرفوا الأنبياء المتأخرين وأوصياءهم ، فعرفهم الله تعالى ذلك ، وكان من اللطف بالمتأخرين وأوصيائهم أن يعرفوا أحوال المتقدمين من الأنبياء والأوصياء ، فعرفهم الله تعالى ذلك أيضا ، فتم اللطف لجميعهم . ولقائل أن يقول : لو كان عليه السلام : " قال أو غابر عرف من قبله " لكان هذا التفسير مطابقا ، ولكنه عليه السلام لم يقل ذلك ، وإنما قال : " عرفه من قبله " وليس هذا التفسير مطابقا لقوله : " عرفه " . والصحيح أن المراد به : من نبي سابق عرف من يأتي بعده من الأنبياء أي عرفه الله تعالى ذلك ، أو نبي غابر نص عليه من قبله ، وبشر به كبشارة الأنبياء بمحمد عليه السلام . * * * الأصل : على ذلك نسلت القرون ، ومضت الدهور ، وسلفت الآباء ، وخلفت الأبناء ، إلى أن بعث الله سبحانه محمدا صلى الله عليه لإنجاز عدته ، وإتمام ( 1 ) نبوته ، مأخوذا على النبيين ميثاقه ، مشهورة سماته ، كريما ميلاده ، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة ، وأهواء منتشرة ، وطرائق متشتتة ، بين مشبه لله بخلقه ، أو ملحد في اسمه ، أو مشير إلى غيره ، فهداهم به من الضلالة وأنقذهم بمكانه من الجهالة . ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه لقاءه ، ورضى له ما عنده ، وأكرمه ( 2 ) عن دار الدنيا ، ورغب به عن مقام البلوى ، فقبضه إليه كريما ، وخلف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها - إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ،

--> ( 1 ) مخطوطة النهج : " وتمام " . ( 2 ) مخطوطة النهج : " فأكرمه " .