ابن أبي الحديد
94
شرح نهج البلاغة
وفى الحديث الصحيح : إن الملائكة كانت تصافح عمران بن الحصين وتزوره ، ثم افتقدها ، فقال : يا رسول الله ، إن رجالا كانوا يأتونني لم أر أحسن وجوها ، ولا أطيب أرواحا منهم ، ثم انقطعوا . فقال عليه السلام : " أصابك جرح فكنت تكتمه " ؟ فقال : أجل ، قال : " ثم أظهرته " ؟ قال : أجل ، قال : " أما لو أقمت على كتمانه لزارتك الملائكة إلى أن تموت " ، وكان هذا الجرح أصابه في سبيل الله . وقال سعيد بن المسيب وغيره : الملائكة ليسوا بذكور ولا إناث ، ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون ، والجن يتوالدون وفيهم ذكور وإناث ويموتون ، والشياطين ذكور وإناث ، ويتوالدون ولا يموتون حتى يموت إبليس . وقال النبي صلى الله عليه وآله في رواية أبي ذر : " إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ( 1 ) فما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد واضع جبهته لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الفلوات تجأرون إلى الله ، والله لوددت أنى كنت شجرة تعضد " ( 2 ) . قلت : ويوشك هذه الكلمة الأخيرة أن تكون قول أبي ذر . واتفق أهل الكتب على أن رؤساء الملائكة وأعيانهم أربعة : جبرائيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، وهو ملك الموت . وقالوا : إن إسرافيل صاحب الصور ، وإليه النفخة ، وإن ميكائيل صاحب النبات والمطر ، وإن عزرائيل على أرواح الحيوانات ، وإن جبرائيل على جنود السماوات والأرض كلها وإليه تدبير الرياح ، وهو ينزل إليهم كلهم بما يؤمرون به .
--> ( 1 ) ذكره ابن الأثير في النهاية 1 : 35 ، وقال : " الأطيط : صوت الأقتاب ، وأطيط الإبل : أصواتها وحنينها ، أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت ، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة ، وإن لم يكن ثم أطيط ، وإنما هو كلام تقريب ، أريد به تقرير عظمة الله تعالى " . ( 2 ) تعضد : تقطع ، وانظر النهاية لابن الأثير 3 : 104 .