ابن أبي الحديد

86

شرح نهج البلاغة

المشاهدة حسا إنما هو بحسب ارتعاد أجزاء الفلك الأدنى . قالوا فأما الكواكب الثابتة فإنما ( 1 ) لم نشاهدها كذلك ، لأنها ليست بمتحركة ، وأما القمر وإن كان في السماء الدنيا ، إلا أن فلك تدويره من جنس الاجرام الفوقانية ، وليس بماء متموج كالفلك الممثل التحتاني . وكذلك القول في الشمس . ومنها : أن الكواكب في قوله : " ثم زينها بزينة الكواكب " أين هي ؟ فإن اللفظ محتمل ، وينبغي أن يتقدم على ذلك بحث في أصل قوله تعالى : " إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب . وحفظا من كل شيطان مارد " ( 2 ) . فنقول : إن ظاهر هذا اللفظ أن الكواكب في السماء الدنيا ، وأنها جعلت فيها حراسة للشياطين من استراق السمع ، فمن دنا منهم لذلك رجم بشهاب ، وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ . ومذهب الحكماء أن السماء الدنيا ليس فيها إلا القمر وحده ، وعندهم أن الشهب المنقضة هي آثار تظهر في الفلك الأثيري الناري الذي تحت فلك القمر ، والكواكب لا ينقض منها شئ ، والواجب التصديق بما في ظاهر لفظ الكتاب العزيز ، وأن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام على مطابقته ، فيكون الضمير في قوله : " زينها " راجعا إلى " سفلاهن " ، التي قال " إنها موج مكفوف " ، ( 3 ) ويكون الضمير في قوله : " وأجرى فيها " راجعا إلى جملة السماوات : إذا وافقنا الحكماء في أن الشمس في السماء الرابعة . ومنها : أن ظاهر الكلام يقتضي أن خلق السماوات بعد خلق الأرض ، ألا تراه كيف لم يتعرض فيه لكيفية خلق الأرض أصلا ! وهذا قول قد ذهب إليه جماعة من أهل الملة ،

--> ( 1 ) أ : " فإنا " . ( 2 ) سورة الصافات 6 ، 7 . ( 3 ) أ : " فيكون " .