ابن أبي الحديد

83

شرح نهج البلاغة

وتتدانيان وهما ممتزجتان ، بأجزاء هذا وهذا ، حتى انبنى منهما هذا العالم المحسوس . ولهم في الهمامة كلام مشهور ، وهي لفظة اصطلحوا عليها ، واللغة العربية ما عرفنا فيها استعمال الهمامة بمعنى الهمة ، والذي عرفناه الهمة والهمة ، بالكسر والفتح ، والمهمة ، وتقول : لا همام لي بهذا الامر ، مبني على الكسر كقطام ، ولكنها لفظة اصطلاحية مشهورة عند أهلها . الأصل : ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، وشق الارجاء ، وسكائك الهواء ، فأجرى ( 1 ) فيها ماء متلاطما تياره ، متراكما زخاره ، حمله على متن الريح العاصفة ، والزعزع القاصفة ، فأمرها برده ، وسلطها على شده ، وقرنها إلى حده ، الهواء من تحتها فتيق ، والماء من فوقها دفيق . ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها ، وأدام مربها ، وأعصف مجراها ، وأبعد منشاها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخار ، وإثارة موج البحار ، فمخضته مخض السقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء ، ترد أوله على آخره ، وساجيه إلى ( 2 ) مائره ، حتى عب عبابه ، ورمى بالزبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق ، وجو منفهق ، فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مكفوفا ، وعلياهن سقفا محفوظا ، وسمكا مرفوعا ، بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينتظمها ( 3 ) . ثم زينها بزينة الكواكب ، وضياء الثواقب ، وأجرى فيها سراجا مستطيرا ، وقمرا منيرا ، في فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم مائر .

--> ( 1 ) أ : " فأجاز " ، وكذلك في مخطوطة النهج . ( 2 ) أ " على " ، وكذلك في مخطوطة النهج . ( 3 ) مخطوطة النهج : " ينتظمها " .