ابن أبي الحديد
84
شرح نهج البلاغة
الشرح : لسائل أن يسأل فيقول : ظاهر هذا الكلام أنه سبحانه خلق الفضاء والسماوات بعد خلق كل شئ ، لأنه قد قال قبل : " فطر الخلائق ، ونشر الرياح ، ووتد الأرض بالجبال " ، ثم عاد فقال : " أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه ابتداء " ، وهو الآن يقول : " ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء " ، ولفظة " ثم " للتراخي . فالجواب أن قوله ( 1 ) : " ثم " هو تعقيب وتراخ ، لا في مخلوقات البارئ سبحانه ، بل في كلامه عليه السلام ، كأنه يقول : ثم أقول الآن بعد قولي المتقدم : إنه تعالى أنشأ فتق الأجواء . ويمكن أن يقال : أن لفظة " ثم " هاهنا تعطي معنى الجمع المطلق كالواو ، ومثل ذلك قوله تعالى : " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " ( 2 ) . واعلم أن كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الفصل يشتمل على مباحث : منها : أن ظاهر لفظه أن الفضاء الذي هو الفراغ الذي يحصل فيه الأجسام خلقه الله تعالى ولم يكن من قبل ، وهذا يقتضي كون الفضاء شيئا ، لان المخلوق لا يكون عدما محضا . وليس ذلك ببعيد ، فقد ذهب إليه قوم من أهل النظر ، وجعلوه جسما لطيفا خارجا عن مشابهة هذه الأجسام . ومنهم من جعله مجردا . فان قيل : هذا الكلام يشعر بأن خلق الأجسام في العدم المحض قبل خلق الفضاء ليس بممكن ، وهذا ينافي العقل . قيل : بل هذا هو محض مذهب الحكماء ، فأنهم يقولون إنه لا يمكن وجود جسم
--> ( 1 ) كذا في أ ، وفي ب : " فالجواب قوله " . ( 2 ) سورة طه 82 .