ابن أبي الحديد
77
شرح نهج البلاغة
وأيضا فإنه قد قال فيما بعد في صفة الملائكة : " إنهم لا يصفون الله تعالى بصفات المصنوعين " ، فوجب أن يحمل قوله الآن : " وكمال توحيده نفي الصفات عنه " ، على صفات المخلوقين ، حملا للمطلق على المقيد . * * * ولقائل أن يقول : لو أراد نفي صفات المخلوقين عنه لم يستدل على ذلك بدليل الغيرية ، وهو قوله : " لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف " ، لان هذا الاستدلال لا ينطبق على دعوى أنه غير موصوف بصفات المخلوقين ، بل كان ينبغي أن يستدل بأن صفات المخلوقين من لوازم الجسمية والعرضية ، والبارئ ليس بجسم ولا عرض ، ونحن قد بينا أن مراده عليه السلام إبطال القول بالمعاني القديمة ، وهي المسماة بالصفات في الاصطلاح القديم ، ولهذا يسمى أصحاب المعاني بالصفاتية ، فأما كونه قادرا وعالما فأصحابها أصحاب الأحوال ، وقد بينا أن مراده عليه السلام بقوله : " ليس لصفته حد محدود " ، أي لكنهه وحقيقته . وأما كون الملائكة لا تصف البارئ بصفات المصنوعين فلا يقتضي أن يحمل كل موضوع فيه ذكر الصفات على صفات المصنوعين ، لأجل تقييد ذلك في ذكر الملائكة ، وأين هذا من باب حمل المطلق على المقيد ! ، لا سيما وقد ثبت أن التعليل والاستدلال يقضي ألا يكون المراد صفات المخلوقين . وقد تكلف الراوندي لتطبيق تعليله عليه السلام نفي الصفات عنه بقوله : " لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف " ، بكلام عجيب ، وأنا أحكي ألفاظه لتعلم ، قال : معنى هذا التعليل أن الفعل في الشاهد لا يشابه الفاعل ، والفاعل غير الفعل ، لان ما يوصف به الغير إنما هو الفعل ، أو معنى الفعل ، كالضارب والفهم ، فإن الفهم والضرب كلاهما فعل ، والموصوف بهما فاعل ، والدليل لا يختلف شاهدا وغائبا ، فإذا كان تعالى قديما وهذه الأجسام محدثة كانت معدومة ثم وجدت ، يدل على أنها غير الموصوف بأنه خالقها ومدبرها .