علي أكبر السيفي المازندراني

335

بدايع البحوث في علم الأصول

المسجد الحرام بالدقة العقلية ، وكذا الغسل والوجه واليد ؛ نظراً إلى خروج ذلك عن‌متفاهم أهل‌العرف . ولا فرق في مرجعية نظر أهل العرف وتحكيمه بين تشخيص موضوعات‌الأحكام وبين‌تطبيقها على مصاديقها الخارجية . ومن هنا ما لا يكون مصداقاً لموضوع الحكم الشرعي في نظر أهل العرف خارجٌ عن مقصود الشارع من كلامه . ولا اعتبار للدقة العقلية في هذا المجال ؛ حيث لا ربطله بالفهم العرفي وارتكاز أذهان متعارف الناس . فمثلًا إذا بقي لون الدم في الثوب بعد غسله يكون من أجزاء الدم في نظر العقل ؛ لأنّ حقيقة الدم بالدقة العقلية هي الذرّات المِجهَرية من أجزاء الدم التي تُشكل ماهية الدم وتتخلّف في الثوب بعد الغسل بصورة اللون . ولكن لا يطلق عليه الدم في نظر أهل العرف . وبالعكس قد يصدق الموضوع بنظر العرف دون العقل ، كالكلب الميتة ؛ فان عنوان الكلب يصدق عليه عرفاً ، ولكن في نظر العقل يكون من الجمادات ؛ نظراً إلى زوال الروح الحيواني وصورته النوعية بالموت . وعليه فما هو المرتكز في أذهان أهل العرف من عناوين الموضوعات غير ماهياتها الثابتة بالدقة العقلية التي يُعرفها العقل بالحد والرسم المنطقي . والحاصل : أن‌ّمنهج‌الشارع الأقدس فيتشريع‌الأحكام وبيان‌التكاليف الشرعية هو استعمال الألفاظ وإلقاء الخطابات على أساس المعاني المرتكزة المتبادرة في أذهان متعارف الناس . ومن هنا لا مرجع في تعيين ظواهر الخطابات الشرعية وفهم مقصود الشارع منها ؛ إلّا فهم أهل العرف . وقد أشار إلى ما قلناه السيد الإمام الراحل ببيان موجز بليغ حيث قال قدس سره : « لا إشكال في أنّ الميزان في تشخيص جميع المفاهيم ومصاديقها وكيفية صدقها عليها هو العرف ؛ لأنّ الشارع كأحد من العرف في