علي أكبر السيفي المازندراني
334
بدايع البحوث في علم الأصول
وقد دلّ على ذلك قوله تعالى : « وما أرسلنا من رسولٍ إلّابلسان قومه ليبّين لهم » . « 1 » وعليه فلا ريب أنّ الشارع لابد أن يتخذ في تشريع الأحكام وبيان التكاليف الشرعية المنهج المحاوري المتداول بين أهل العرف ، ويلقي خطاباته على أساس قوانينهم المحاورية ويتكلّم معهم على أساليب مكالماتهم المتداولة بينهم . فانّه ولو اتخذ مسلك عرف المقنّنين في ذلك ، إلا أنّه منهج رائج معمول بين العقلاء كما أشرنا إليه آنفاً ، وعليه يبتني استظهار مراد الشارع من خطاباته . هذا في منهج المحاورة . وأما استعمال اللغات والألفاظ فلا ريب في ابتنائه على أساس ارتكازات أهل العرف في الموضوعات العرفية المحضة . فكيف أنه لو قال أحدهم لاخر : اجتنب عن التلوّث بالدم أو عن بيع العذرة والدم وشرائهما ، يفهمون من كلامه الاجتناب عما يكون دماً وعذرةً عند متعارف الناس فكذلك يفهمون من كلام الشارع . وكما أنّ هذا الفهم يُشكِّل ظواهر كلامهم ويكون حجة بينهم فكذلك حجة بالنسبة إلى كلام الشارع . فقوله تعالى : « فول وجهك شطر المسجد الحرام » « 2 » مثلًا ، أو قوله تعالى : « فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق » « 3 » ، لابد أن يكون مقصود الشارع من عنوان الاستقبال والغسل والوجه واليد ما يفهمه أهل العرف ، أي ما يصدق عليه هذه العناوين عرفاً ، لا الاستقبال الدقي العقلي الذي لا انحراف له عن
--> ( 1 ) إبراهيم : الآية 4 ( 2 ) البقرة : الآية 144 . ( 3 ) المائدة : الآية 6 .