الشيخ المحمودي

39

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

قال : فسار ونحن معه ، نسمع تلك الحركة ، وذلك الحسّ ، فدخلنا من الرعب مثل الذي كنّا نعرف . وظنّنا أن عليّا سيرجع كما رجع صاحباه ، فالتفت إلينا وقال : اتّبعوا أثري ، ولا يفزعنّكم ما ترون فليس بضائركم إن شاء اللّه ، ومرّ لا يلتفت على أحد حتى دخل بنا الشجر فإذا نيران تضطرم بغير حطب وإذا رؤس قد قطعت لها ضجّة ولألسنتها لجلجة شديدة ، وأصوات هائلة . [ فقال منّا ] فتى ؟ لقد أحسست برأسي قد انصرفت قشرته ، ووقعت شعرته ورجف قلبي حتى لا أملك نفسي . وعلى يتخطى تلك الرؤس ، ويقول : اتّبعوني ولا خوف عليكم ولا يلتفت أحد منكم يمينا ولا شمالا . فجعلنا نتلو أثره حتى جاوزنا الشجر ووردنا الماء ، فاستقت السقاة ومعنا دلو واحد فأدلاء البراء بن مالك في البئر فاستقى دلوا [ أ ] ودلوين ، ثم انقطع الدلو فوقع في القليب والقليب ضيّق مظلم بعيد [ القعر ] فسمعنا في أسفل القليب قهقهة وضحكا شديدا ، فراعنا ذلك . فقال عليّ : من يرجع إلى عسكرنا فيأتينا بدلو أو دلوين ؟ فقال أصحابه : ومن يستطيع أن يجاوز الشجر مع ما رأينا وسمعنا ؟ قال عليّ : فإنّي نازل في القليب ، فإذا نزلت فأدلوا إليّ قربكم . ثم اتّزر بمئزر ، ثم نزل في القليب ، وما تزداد القهقهة إلّا علّوا فوالذي نفس محمد بيده إنه لينزل وما فينا أحد إلّا وعضداه يهتزّان رعبا . وجعل ينحدر في مراقي القليب إذ زلّت رجله فسقط في القليب فسمعنا وجبة شديدة ازددنا لها رعبا وجعلنا نسمع اضطرابا شديدا وغطيطا كغطيط المخنوق . ثم نادى عليّ : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، أنا عبد اللّه وأخو رسوله ، هلمّوا قربكم ، فدّليناها إليه ، فأفعمها وعصبها في القليب ، ثم أصعدها على عنقه شيئا شيئا عن آخرها .