الشيخ المحمودي
638
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
فأمّا الفعل الدال على مصدره فكقولهم : « من كذب كان شرّا له » . أضمر في « كان » الكذب الذي دلّ عليه كذب وعاد الضمير إليه وإن لم يأت على بنيته قال اللّه تعالى : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ) [ 180 / آل عمران ] يعني البخل الذي لم يأت على خاص لفظه ، اكتفاءا بدلالة الفعل الذي هو « يبخلون » عليه . وأمّا اسم الفاعل كقولهم : « إذا أحسن كما أمر فجازه عليه » يريد على إحسانه الذي دلّ عليه « أحسن » ورجع عائد الضمير إليه ، وهذا مثل قول الشاعر : إذا نهي السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف أراد إلى السفه على ما بيّنا ، وقد يكتفون في هذا الباب بدلالة العهد والحال ، ويحكى الأمر الشائع فيه ، قال اللّه عزّ ذكره : ( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) [ 61 / النحل : 16 ] فأعاد الضمير على الأرض ولم يجر لها في هذه القصة ذكر ، وقال : ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) يعني القرآن ، وقال : ( حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ) [ 32 / ص : 38 ] يعني الشمس في قول جمهور أهل العلم ، وقال الشاعر : هذا مقام قدمي رباح * عدوه حتّى دلكت براح « 1 » يريد الشمس ، وقال اللّه تعالى أصدق القائلين : ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) [ 4 و 5 / العاديات ] يريد الوادي أو الموضع أو المكان أو المنزل . وهذا باب واسع
--> ( 1 ) - كذا في النسخة الظاهرية وقال في مادة « دلك » من تاج العروس : ومن المجاز [ قولهم ] : « دلكت الشمس دلوكا » غربت . لأنّ الناظر إليها يدلك عينيه فكأنّما هي الدالكة قاله الزمخشري وأنشد الجوهري : هذا مقام قدمي رباح * ذبب حتّى دلكت براح قال قطرب : « براح » مثل قطام اسم للشمس . وقال الفراء : [ الباء حرف جر ، و ] راح جمع راحة وهي الكف يقول : يضع كفه على عينيه ينظر هل غربت الشمس . وهذا القول نقله الفراء عن العرب .