الشيخ المحمودي
49
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
المفارق لها ، فإنّها تزيل الثّاوي السّاكن « 1 » ، وتفجع المترف الآمن « 2 » لا يرجى منها ما تولّى فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت فينتظر ، وصل البلاء منها بالرّخاء ، والبقاء منها إلى الفناء ، فسرورها مشوب بالحزن ، والبقاء فيها إلى الضّعف والوهن ، فهي كروضة اعتّم مرعاها « 3 » ، وأعجبت من يراها ، عذب شربها ، طيّب تربها « 4 » تمجّ عروقها الثّرى « 5 » وتنطف فروعها النّدى « 6 » ، حتّى
--> ( 1 ) ثوى يثوي « كرمى يرمي » ثواء وثويّا ( على زنة هواء وهويّا ) المكان وفيه وبه ، أي أقام فيه ، ومنه قوله تعالى في الآية 45 ، من سورة القصص . وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ أي مقيما فيهم . ( 2 ) فجعه - فجعا ( من باب منع ) وفجّعه الأمر تفجيعا ، أي جعله ذا وجع بنزول ما يكرهه ، أو بإعدام ما يحبّه ، والمترف : الطاغي من أترفته النّعمة ، أي أطغته ، أو المصرّ على البغي ، أترف الرجل أي أصرّ على البغي ، أو صار ذا بطر ، من أترفه المال أي أبطره ، والجميع متقارب . ( 3 ) اعتمّ النبت اعتماما : اكتهل أي تمّ طوله ، وبلغ غاية الامتداد ، وظهر نوره . ( 4 ) وفي نسخة الوافي وتنبيه الخواطر : طيّب تربتها . والترب والترباء والتربة - كقفل وفلس ، وحمراء وحمرة : التراب . الأرض . ( 5 ) مجّ ( من باب مدّ ) مجّا الشراب ، أو الشيء وبه من فمه أي رمى وقذف به . والثرى - أريد به ههنا - النداوة والرطوبة . وفي تنبيه الخواطر : يبهج عروقها الثرى ، وينظف فروعها الندى . ( 6 ) نطف ( من باب ضرب ونصر ) نطفا وتنطافا ونطافة ونطفانا الماء ، أي سال قليلا قليلا ، ونطفت القربة الماء ، أي رشته وصبته ، أي ان الدّنيا في بهائها ورونقها كأغصان أشجار من شدّة نضارتها وريعانها بحيث تتقاطر بالماء وترش به . وقال المحقق الفيض رحمه اللّه : كان الأوّل كناية عن أحكام العروق وأعراقها في الأرض ، والثاني عن نضرة الفروع وخضرتها وطرواتها . وعلى ما في نسخة تنبيه الخواطر ، كأنّه عليه السّلام أراد من قوله « يبهج » التزيين والاهتزاز ، وأيضا المقصود من الثّرى - بناء على هذه النسخة - : وجه الأرض ، وكذا المراد من العروق كأنّه الأغصان الممتدّة ، والأوراق المتدلّية ، المنبسطة على وجه الأرض ، أي إنّ الدّنيا كروضة اهتزّت الأرض ببهجتها ، وزيّنت الغبراء والبسيطة بنضارة أغصان أشجارها ، والتفاف أوراقها الرائعة عليها . وقوله عليه السّلام : « ينظّف فروعها الندى » كأنّه إشارة إلى ما عدّ في عصرنا من البديهيات ، : من جذب الأشجار والنباتات الخضراء ، الهواء الملوّث ونشر الهواء الملطّف ، وإذاعة المروّح منها ، عكس الحيوانات .