الشيخ المحمودي

50

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

إذا بلغ العشب إبّانه « 1 » ، واستوى بنانه « 2 » هاجت ريح تحت الورق ، وتفرّق ما اتّسق ، فأصبحت - كما قال اللّه - هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً « 3 » انظروا في الدّنيا في كثرة ما يعجبكم وقلّة ما ينفعكم . انتهى الحديث 3 ، من روضة الكافي - روضة الكافي - الحديث 3 . ورواه عنه الفيض الكاشاني رحمه اللّه في المختار 1 من باب مواعظه عليه السّلام من كتاب الوافي الفيض الكاشاني - الوافي - باب مواعظه عليه السّلام المختار 1 : 4 ، 62 : 4 ، 62 .

--> ( 1 ) العشب - كقفل - : الكلأ الرطب وإبّان الشيء : أوانه أو أوّله ، ومنه الحديث : كل الفواكه في إبانّها . ( 2 ) وفي تنبيه الخواطر والوافي : واستوى نباته . ( 3 ) الآية 45 من سورة الكهف . والهشيم فعيل بمعنى مفعول من قوله : هشم ( من باب ضرب ) هشما الشيء أي كسره ، إلّا إنّه يختص بكسر الشيء اليابس أو المجوف ، وتذروه أي تطيّره وتفرّقه في كلّ جهة ، وتجعله هباء منثورا . ولطافة هذه الوصيّة الشريفة ، والكلام القدسي لا تدرك كما هي إلّا بذكر تمام الآية الشريفة ، وبذكرها والمقايسة بينهما تتجلّى صحة ما قيل في وصف كلامه عليه السّلام : من أنّه دون كلام الخالق ، وفوق كلام الخلوق فأقول تمام الآية الكريمة هكذا : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً . فدقق النظر كيف بيّن عليه السّلام تأثير الماء النازل من السماء في التراب القابل بقوله عليه السّلام : « فهي كروضة اعتمّ مرعاها وأعجبت من يراها » . وكيف كشف عليه السّلام عن حال النباتات في أوان اشتدادها ، وحال ريعانها وأوقات اخضرارها بقوله : « تمج عروقها الثرى وتنطف فروعها النّدى . . . » وكيف شرح عليه السّلام عاقبة أمرها وما تؤول إليه من الانكسار والتّشتت في أيدي الدّواب والأنعام ، ومن تفريقه وتطييره بكل ريح ونسيم يهيج ، بقوله : « هاجت ريح تحت الورق وتفرّق ما اتّسق . . . » .