الشيخ المحمودي

251

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

طول الصّحبة برّا وإكراما وتبجيلا وتعظيما ، فليس جزاء من سرّك أن تسوءه « 1 » ؛ أكثر البرّ ما استطعت لجليسك فإنّك إذا شئت رأيت رشده ؛ من كساه الحياء ثوبه اختفى عن العيون عيبه ؛ من تحرّى القصد خفّت عليه المؤن « 2 » من لم يعط نفسه شهوتها أصاب رشده ؛ مع كلّ شدّة رخاء ومع كلّ أكلة غصص ؛ لا تنال نعمة إلّا بعد أذى ؛ كفر النّعم موق « 3 » ومجالسة الأحمق شوم ؛ اعرف الحقّ لمن عرّفه لك شريفا كان أو وضيعا ؛ من ترك القصد جار ، ومن تعدّى الحقّ ضاق مذهبه ؛ كم من دنف نجا ، وصحيح قد هوى « 4 » ؛ قد يكون اليّأس إدراكا ، والطّمع هلاكا ؛ إستعتب من رجوت عتابه « 5 » ؛ لا تبيتنّ من امرئ على غدر ؛ الغدر شرّ لباس المرء المسلم ؛ من

--> ( 1 ) أوصى عليه السّلام بهذا البيان القدسي بالاهتمام بشؤون الأنصار والأعوان من الإخوان والأقرباء والأصدقاء ، حيث إنّ الإنسان بمعاضدتهم ينال المقصود ، وبمعاونتهم يظفر بطلبته ، فيفرح ويبتهج ، فعليه أن يجزيهم بالبر والإكرام ، ويثيبهم بالإنعام والاحترام في جميع أوقات الصحبة ، ولا يتبرم بطول صحبتهم فيترك ما يجب عليه من مراعاة حقهم ، لأنّه لا يجزى الإحسان إلّا بالإحسان ، فليس جزاء من سرك بإنجاح المقاصد ، ونيل الآمال ، أن تسوءه بترك رعايته ، وإظهار الملالة والسامة من طول صحبته . ( 2 ) التحري : الطلب واختيار ما هو الأولى من الأمور . والقصد : هو التوسط بين الإفراط والتفريط . والمؤن - على زنة زفر وعمر - جمع المؤونة - بفتح أوله وضمه - وهي القوت وما يصرفه الإنسان في حوائجه ، ولملازمته نوعا من الثقل يستعمل في كل شدة وثقيل . ( 3 ) الموق : الحمق ، وفي خطبة الوسيلة : كفر النعم لوم ، وصحبة الجاهل شؤم . ( 4 ) الدنف - على زنة كتف - : من ثقل مرضه وصار ملازما له ، وجمعه أدناف ، ومؤنثه دنفة ، وجمع المؤنث دنفات . وهوى : هلك . ( 5 ) العتبى : الرّضا ، أي اطلب رضا من ترجو رضاه ولا تتركه ساخطا عليك ، أو المعنى اطلب الرجوع إلى المحبة والعود إليها لمن تحتمل وترجو رجوعه إلى المسرة ، وحاصله ترك الانقطاع والهجران إذا كان الاتصال ممكنا ، والتحبب محتملا ، والمعنى الثاني لازم للأوّل ، إذ كل من رضي بعد السخط فقد رجع إلى ما كان عليه أوّلا ، ومنه الحديث : ولا بعد الموت من مستعتب .