الشيخ المحمودي

236

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

يدل بصريحه أو بظاهره على التفصيل ، أو على رجحان الكلام على السكوت . أقول : لا تنافي بين الطائفتين من الأخبار ، وكذا ما يأتي من إفادات الحكماء والعلماء ، إذ الأخبار الأوّل جلّها ناظر إلى نوع المكلفين الّذين يصرفون أوقاتهم بالقول الهزل ، والنميمة والغيبة والإيذاء وإشعال النّار بين المتعاديين ، وغير ذلك ممّا لا يخفى على من عاشر أهل الدّنيا وقتا من الأوقات ، وهذه الطائفة من الأدلة أغلبها مقيّد بقيد أو معلل بعلة - كما لا يخفى على من تدبرها - فلا إطلاق لها ، فلا مجال لأن يقال إنّها معارضة لأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإحقاق الحقّ وإبطال الباطل ، والتعليم والتعلم وغيرها ، وذلك لأن التعارض فرع الإطلاق ، ولا إطلاق فيها بشهادة التعليلات الّتي ذكرت فيها ، ولو فرض أنّ لبعضها إطلاق يجب تقييدها بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرهما ، لأنّ الخاص قرينة على الّذي أريد من العام ، والمقيد مبين لمقصود من المطلق ، ولو فرض العموم في الجانبين أيضا ، فلا تنافي بين الطائفتين ، وذلك لحكومة أدلة الأمر بالمعروف وما شاكلها ، على المطلقات المذكورة « 1 » فلا وقع لما قيل : من أفضلية الكلام من السكوت ، لأن بالكلام يؤمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويحق الحقّ ويدحض الباطل ، ويعلم العلم ، لأن مرجع هذا الكلام إلى أن التكلم الّذي هو لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإحقاق الحقّ ، وإبطال الباطل ، وتعليم العلوم الحقّة ، والدعاء والتضرع ، أفضل من السكوت - وهذا حق - ولا يدلّ على أنّ كلّ كلام أفضل من السكوت ، كما هو ادعاء القائل ، مع أنّ هذا قد يعكس ، إذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يحصل بالسكوت أيضا .

--> ( 1 ) هذا من باب المماشاة ، وإلّا الأمر عندنا جلي بأنّ الطائفة الأولى مفادها : أنّ الكلام الّذي لا يكون للّه وتترتب عليه المضار والمفاسد فهو مرجوح يلزم على العاقل الكفّ عنه والاجتناب عنه ، ومفاد الطائفة الثانية : أنّ الكلام الّذي يكون للّه وفي اللّه فهو راجح على الصمت ينبغي للعاقل أن يتكلم به ويلقيه ، وإلى هذا يرجع ما قاله بعضهم : من أن أعدل شيء قيل في الصمت والمنطق قولهم : الكلام في الخير كله أفضل من الصمت فيه ، والصمت في الشرّ كله أفضل من الكلام فيه .