الشيخ المحمودي
210
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
ونصائحهم تكون فاضلا ، وإنّما النّاس رجلان : رجل لا خير فيه ، جاهل بحقيقة الحكمة ، فليس ملتفتا إليه ، ورجل من أهل الحكمة لا يمنعك مما سهل اللّه لك به سبيل الخير ، بل يبذله لك ، لأنّه ليس يباع بثمن ، ولا يمنع من طالب ، ولا يكتتم كاكتتام الذنوب ، واعلم أنّ العقل متوجّه أينما وجّه ، وله غناء أينما صرف ، وبعض مصارفه أنفع من بعض ، فإذا صرف إلى الدّين أحكمه ونفقه فيه ، وإذا صرف إلى الدّنيا أغني بها واحتال فيها فليس مستودعا شيئا إلّا حفظه ، ولا مصبوغا بصبغ إلّا قبله ، ولا محملا رشدا ولا غيّا إلّا تحمّله ، فإيّاك أن تعدله عن رشد ، أو تصرفه إلى غي عامدا أو مخطئا ، فإنك لست محكما به شيئا من أمر دنياك إلّا أضعت به أكثر منه من أمر دينك ، ولا حافظا به شيئا من الأدب غير النافع إلّا أضعت به أكثر منه من نافع الأدب ، غير أنّك تجمع إلى ضياع العناية بما لا ينفع استيجاب التبعة فيما أضعت ، وليس شيء من أمر الدّنيا صرفت إليه عقلك فأحكمته إلّا سيعود محكمه عن وشيك ضائعا ، وصالحه فاسدا لا يصحبك شيء منه في آخرتك ، ولا يوثق ببقائه لك في دنياك ، وإنما وهن أمر صاحب الدّنيا وبطل سعيه ، لأنّه بنى في غير داره ، وغرس في غير أرضه ، فلم يكن له - حين جاء من يشخصه - إلّا أن ينقضه ويدعه لغيره ، ومن أخطاه العقل ظهر به الحمق والبله ، ومن صرف عقله إلى غير الحق ظهر به الدهي ، وبعض الدهي أبلغ في الشر من كثير من الحمق ، وإنّما القصد في ذلك أن يصاب الحقّ ، ثم لا يصرف به عن جهته . اعلم أنّه من غابت الحكمة عن عقله عجز عن انفاذ الأمور كما تعجز العين الصحيحة عن رؤية الأشياء عند فقد الضياء ، ولا يسلم له حقّ وإن حسنت ولايته ، وذلك إنه كان جوادا أفسد جوده التبذير ، وسوء موضع الصنيعة وذلك إنه يصرف العطية إلى من لا حقّ له مع منع ذوي الحقّ ، وإن كان بليغا أفرط في القول ، وأخطأ البغية ، وإن كان عالما أفسد علمه العجب ، وإن كان حليما أفسد حلمه الذلّ والمهانة ، وإن كان صموتا أضر بصمته العي ، وإن كان لينا بلغ لينه الضعف ، فمن فقد الحكمة من أهل الخصال الحسنة ضاعت خصاله ، ومن فقدها من غيرهم هلك كلّ الهلاك ، الخ . وهي طويلة أخذنا منها بقدر الحاجة » .